في مقال بعنوان مجلس الفلاسفة يقول المؤلف: كانت القاعة رحبة الصدر فارهة القد تتسع لكثرة «الكثرة» بأبعاد الحب وتضيق على متشاحنين اثنين، وكانت أبوابها تتثاءب تحت أقواس نصف دائرية تكاد تنطبق بهوية القادم وتخرس حتى الإفحام عن هوية المدبر.

أما في مقالته «شبلي شميل» فيقول: ضيفا الشرف يتهامسان «نيوتن» يتحدث عن ملكوت الجاذبية ومع كتابه «الأصول الرياضية في فلسفة الطبيعة» وعليه تاريخ 1687، أنيشتاين يبشره بالبعد الرابع وبمقاومة المادة للتغيرات في اتجاه حركتها، فتلزم الجاذبية بخلق مجال مقوس عبر اتصال زماني ـ مكاني، وقدم له نسخة عن نسبيته العامة التي سينشرها عام 1916، سينشرها ـ أجل لأنهما على مدار شهر فبراير عام 1913 وقد تقدم منهما المضيف وناولهما عددا «نسخة» من مجلة المقتطف فيها مقالة للدكتور «شبلي شميل» اقتبست من كتابه «حوادث وخواطر». لم يكن أحد منهما يعرف اللغة العربية، لكن اللغة العربية تعرفهما جيدا، وتعرف دماغيهما النشيطين وطرق ولوجها ودخلت وطبعت بسرعة «السكون» مقالة «شميل» على وعييهما بغفلة عن سياسة «التتريك» العثمانية، وعلى مرأى من مؤتمر باريس «ودفاع» الزهراوي وقبيل مخاض الحرب العالمية الأولى «سفر برلك» وكان المقال تحت عنوان «الاشتراكية الصحيحة» يناير 1913 وفي مقالة «دفاع بيتاغورس» يقول المؤلف على لسان العالم اليوناني فيثاغورث صاحب النظرية الهندسية الشهيرة «مربع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين».

ويشير إلى أن الناس أطلقوا اسمه على كل النظريات التي خبرهم عنها، حتى النظرية التي تعلمها في «لكش» قرب «بابل» نسبوها إليه - نظرية فيتاغورث ـ ويتحدث عن مثاليته وابتعاده عن المادية فيشير إلى أنها كانت ضرورية لمركز القيادة الذي اضطلعت به، فالشعب الجاهل لا يقاد إلا بالمبهمات والخرافات لأنه يتكئ عليها ويتوكل على مقدراتها غير المرئية والفجائية .

وعلى لسان «أرسطو» يقول المؤلف الفكر غير العقل، الفكر مسؤول عن كشف أسباب وجواهر الظواهر ووحدة الأضداد، وإعداد طريقة صحيحة للبحث، وعن الأفلاطونية الجديدة يقول المؤلف: طغت الأفكار الأفلاطونية المثالية على العالم المستعمر المتداول بين الإغريق (333 - 64ق م) وبين الرومان والفرس (64 ق م ـ 634م) وكانت الدولة الفارسية تغسل الأدمغة منذ عام 538 ق م وحتى هزيمتها أمام الإسكندر، وبعد ذلك راحت تستسنح الفرص لتنفذ إلى الوطن العربي - كما يدعى الآن - غازية مستعيدة ما فقدت المغانم.

واكبر مغنم لها كان 570 م، يوم احتلت اليمن طاردة الحبشة منه ومستقرة الى أن لعبت بالفكر الحجازي الذي كانت تتجاذبه التيارات المتعددة ومنها «النجاشية» و«الأبيونية» وكلتاهما مثالية طوباوية توراتية، وظلت بقايا «الأمباذوقيسية» و«النسطورية» و«المندائية» و«المانوية» و«الزرداشتية» وغيرها تنتقل من «حران» إلى دمشق إلى يثرب فصنعاء وقد تصل إلى «هجر ومسقط» صعودا إلى البحرين مأوى «دجلة».

الجميل واللافت في هذا الكتاب هو قدرة المؤلف الفلسفية على الجمع بين هذا الكم الكبير من أصحاب الفلسفة والعلم والفكر على صدر صفحات هذا الكتاب وهم يتناقشون ويتحاورون ويختلفون، وإطلاق الحرية الكاملة لهم وكأني به وضعهم في قالب الرواية الفلسفية ليأخذ كل منهم قسطه في إبداء رأيه ونقد ومناقشة الآخر وإفساح المجال أمامه ليعبر عن رأيه بصورة ديمقراطية، في الإتيان بالماضي الفلسفي إلى الحاضر الفلسفي والعلمي معا، ورسم لكتابه فضاء زمنيا رحبا ترك فيه فسحة كبيرة لحرية الحركة والتنقل عبر العصور والأزمان.

الكتاب: لقاءات الفلاسفة

المؤلف: إبراهيم فاضل

الناشر: دار علاء الدين دمشق 2008

الصفحات: 158صفحة

القطع: الكبير

حواس محمود