نجحت الفنانة التشكيلية الفرنسية مونيكا زيلتين في ترسيخ مكانتها في عالم الفن المعاصر بعد خمسة عشر عاما من ممارسة هوايتها، لتجني ثمار مثابرتها قبل ما يقارب السنوات الخمس، إذ دعيت للمشاركة في العديد من المعارض الفنية سواء في أوروبا أو خارجها، ويرجع تميزها إلى أسلوبها الفني المتفرد في رسم المدن والتحولات الحضارية التي تشهدها، وإلى موهبتها في الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي.

كانت زيلتين التي ولدت في باريس عام 1959، تشد الرحال إلى مدن بلدان وحضارات مختلفة لتعيش مناخاتها وترصد تطورها السريع، لتعكسه لاحقا في لوحاتها بأسلوب فني خاص بها.وتتميز لوحاتها التي لاقت إقبالا كبيرا في المعارض التي شاركت فيها، بفن الكولاج الذي تجمع فيه بين صور فوتوغرافية للمكان والألوان الزيتية والأكريليك لتدمج فيما بينها وصولا إلى الفكرة التي تجمع فيها بين تاريخ أو تراث المدينة وبين إنجازاتها الحضارية أو ما يميزها في العصر الراهن. ومن المدن التي زارتها مؤخرا، مدينة دبي، حيث رسمت انطباعاتها عنها بعد التعرف عليها والتعايش في أجوائها. «مسارات» التقى بالفنانة التشكيلية خلال اقامة معرضها الفردي الذي نظمته غاليري «غي فليشي» في مقرها في البستكية، حيث تحدثت فيه عن شغفها الكبير برسم المدن وتحولاتها وعزت هذا الاهتمام إلى «حبها ربما بالسفر كثيرا وربما لكونها كما قالت لنا انها خليط من الأعراق، فوالدي إيطالي ووالدتي نمساوية وزوجي روسي ونعيش في فرنسا».

وأشارت مونيكا زيلتين فيما يخص بداياتها الفنية إلى أنها درست في الجامعة مادة الاقتصاد وعلوم السياسة والعلاقات الخارجية، وبعد تخرجها التحقت بسلسلة من الدورات الخاصة بالفن التشكيلي، وفيما يتعلق بمحور موضوعاته قالت، «مفهوم العالمية يثير اهتمامي وكذلك التحولات الاجتماعية وتمازج الحضارات. وشعرت أنها من خلال الفن قادرة على التعبير عن التغيرات التي نشهدها في زمن العولمة وتحول العالم إلى قرية واحدة بمنظور أفقي بصري. وأضافت أنها استطاعت في السنوات الخمس الأخيرة أن التفرغ للفن حيث تم اقتناء 350 لوحة من أعمالها خلال ثلاث سنوات فقط».

طاقة الأمكنة

وفيما يخص المدن التي زارتها ورسمتها قالت مونيكا زيلتين «أود في البداية أن أوضح أني أصنف المدن إلى نوعين، الأول يتميز بالطاقة العالية التي أشعر بها خلال تواجدي في المدينة التي تشهد تغييرات وتطورات سريعة، والثاني ذو الطاقة المنخفضة ويتجلى في المدن التاريخية العريقة التي تحافظ على نمطيتها وتقاليدها. ومن البلدان ذات الطاقة العالية التي زرتها هونغ كونغ وشنغهاي ونيويورك وأخيرا دبي».

ولدى سؤالها عن انطباعها الخاص عن مدينة دبي قالت، «احتجت بعد وصولي إلى دبي فترة زمنية لا بأس بها لاستيعاب هذه المدينة، إذ أصبت بالدهشة وأعجبتني صدمة الثقافات، وهذا التمازج الحضاري الناتج عنها، إذ كان من الصعب علي في البداية استيعاب مشهدية ذلك الخليط السحري من الثقافات المجتمعة والمتعايشة بانسجام كامل.

وبعد تآلفي البصري والفكري مع المكان بدأت برصد الانجازات الحضارية التي حققتها هذه المدينة بزمن قياسي يصعب تخيله. وهكذا بدأت بتصوير التراث والآثار والأبراج الحديثة والمباني الشاهقة، لأعود إلى لوحاتي لأترجم ذاك التمازج الاستثنائي الذي شحنني بطاقته وألهمني على رسم العديد من اللوحات التي أعتز بها.

دبي في مناخات الفن

قالت مونيكا زيلتين انها «أنجزت ما يزيد على ست لوحات منها «دبي مدينة السماء» ورسمت فيها أبراج دبي وأبنيتها المميزة التي يتداخل فيها التراث العمراني للأبنية القديمة بزخرفتها الشرقية المميزة، ولوحة «طاقة دبي» التي جمعت فيها شتى نماذج إبداعات فنون العمارة التي ترمز إلى التجديد والتطوير.

وبالتالي حيوية وفعالية طاقتها، أما مجموعة لوحات «دبي والتفاصيل» فأميل فيها إلى تصوير جماليات العمارة القديمة التي تجولت وتشبعت في مناخاتها خاصة في منطقة البستكية التاريخية، وفي تلك اللوحات التي جمعت فيها رموز العمارة من الإفريز إلى البراجيل، يغلب اللون الأبيض وتدرجاته من الوردي والترابي تعبيرا عن السكينة والهدوء الداخلي وصفاء النفس الذي يعيشه الإنسان في منطقة البستكية».

بين الهوية والحداثة

وفيما يتعلق بانطباعاتها عن البلدان الأخرى قالت زيلتين «آلمني كثيرا خلال زيارتي للصين أن أشهد تحول بعض مدنها إلى سوق استهلاكي لأميركا مع رفض الأجيال الجديدة لحضارتهم وثقافتهم، إنها خسارة كبيرة فهم لا يقدرون ثراء وعراقة حضارتهم التي ما زال العالم ينهل منها حتى يومنا هذا.

والفرق شاسع بين تطور المدن وانسلاخها عن حضارتها وثقافتها حيث تتجلى الفوضى وعبثية الحياة، وقد عبرت عن ذلك في العديد من أعمالي منها لوحة عالم الكوكا»، التي تمثل تمحور الطاقة حول زجاجة المشروب الغازي الأميركي ال«كوكاكولا».

وفي إطار التقنيات الفنية التي تعتمدها، أشارت إلى أنها تحرص دائما على التقاط الصور الفوتوغرافية الخاصة بلوحاتها بنفسها ومعالجتها قبل تحويلها إلى جزء من اللوحة التي تعتمد في رسمها على ألوان الأكريليك المكثفة وأحيانا الألوان الزيتية والباستيل.

آخر المطاف

وعن أحلامها ومشاريعها كفنانة قالت زيلتين «سأشارك بعد مغادرتي دبي في معرضين أحدهما في باريس والثاني في لندن. أما عن طموحاتي فآمل أن أرسم باستمرار وأحلم بزيارة البلدان ذات الثقافة الروحية مثل الهند، وقضاء وقت طويل فيها والتعايش في أجواء العالم الروحي لأتمكن من رسمها.

كما أفكر في رسم بعض الشخصيات من المشاهير الذين تعكس ملامحهم اختلاط الأعراق والحضارات، مثل رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما إلى جانب بابا الفاتيكان بينيديكت الثامن.

زيتلين في سطور

ولدت مونيكا زيتلين عام 1959 في باريس وحائزة على دبلوم في الاقتصاد وعلوم السياسة والعلاقات الخارجية عام 1981 وشاركت في العديد من دورات وورشات الفن التشكيلي كان آخرها عام 1998، كما شاركت في أول معرض لها عام 2005 ثم شاركت بعدها بصورة مستمرة بمعدل ستة معارض في العام الواحد.

رشا المالح