أعتقد أن غابو لن يكتب المزيد على الرغم من أن ذلك لا يبدو لي مؤسفا جدا، لأن قدره ككاتب يتمثل في الشعور بنوع بالغ من الرضى كونه صاحب مسيرة أدبية متماسكة بشكل كلي امتدت لسنوات طويلة قبل أن يستكمل nوجوده البيولوجي (جيرالد مارتن)، إلا أن ماركيز أكد في تصريحات لصحيفة كولومبية أنه لم يتوقف عن الكتابة وقال: «أنا لا أفعل شيئاً آخر غير الكتابة».

أحيانا يبدو الخبر المتعلق بتوقف الكاتب الكولومبي غابريييل غارسيا ماركيز عن الكتابة سريا في أوساط الكتاب الكولومبيين، لكنهم يؤكدون جميعا، وعندما تغلق أجهزة التسجيل، أن الأديب،البالغ من العمر 82 عاما والأب الروحي لتيار الواقعية السحرية في الأدب، ليس مستعدا لخوض تجارب أدبية جديدة بعد أن باتت الصفحة البيضاء تثقل كاهله بطريقة غير مسبوقة.

وعلى الرغم من أن أحدا ما يصرح بين الفينة والأخرى بأن مؤلف «مئة عام من العزلة» قد انتهى من كتابة رواية جديدة، إلا أن الكاتبة كارمن بالسيلس، الوكيلة الأدبية الاسبانية المشهورة، التي قامت بزيارة إلى تشيلي، مؤخرا، للاجتماع بأعضاء مؤسسة بابلو نيرودا بغية إصدار نسخة رقمية من أعمال الشاعر التشيلي الراحل، لا تعلل نفسها بآمال كثيرة حول هذا الموضوع الشائك والمثير لاهتمام الكثيرين وقلقهم في آن.

فلقد قالت الوكيلة الأدبية الاسبانية، التي حركت عجلة تطور وازدهار الرواية الأميركية اللاتينية في سيتينيات القرن الماضي، في تصريحات أدلت بها لصحيفة «لا تيرسيرا» التشيلية : أعتقد أن غارسيا ماركيز لن يعود إلى الكتابة مطلقا.

صحيح أنها ليست الشخصية الأولى التي تقول ذلك،لكنها تعتبر، بلا شك، الشخص الذي يملك أكبر قدر من المعلومات حول الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982، ذلك أنها أمضت عقودا من الزمن وهي تدير وتحرك مسيرة غارسيا ماركيز الإبداعية، فضلا عن أنهما ليسا مجرد صديقين فحسب، بل إن مبدع ماكوندو يعتبر مفتاح عملها التجاري، إذ أنها تمثل 36،2 مما يحرر من فواتير تتعلق بعائدات أعماله الأدبية.

بيد أن آخرين لا يزالون يؤمنون بأن غارسيا ماركيز لم يتوقف عن الكتابة بعد. الكاتب الأرجنتيني توماس إلوي مارتينيز،المقرب من الكاتب من خلال مؤسسة الصحافة الإيبيرية الأميركية الجديدة، يشكك في صحة هذه التكهنات ويقول: هو وحده يدرك رغباته وحدوده في مواصلة الكتابة، هذا إذا كانت لديه مثل تلك الحدود أصلا وكل ما تبقى لا يعدو كونه تكهنات.

لكن لا شك بأنه ثمة شيئاً ما قاله صاحب النوبل الكولومبي في ديسمبر الماضي وعقب مشاركته في تكريم الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتيس في معرض غوادالاهارا للكتاب، أكد أن حالته الصحية كانت «رائعة»، لكن كان هناك مشكلة في المعتزل الأدبي، الأمر الذي يستشف من قوله: «كتابة الكتب تضنيني».

أما الكاتب البريطاني جيرالد مارتن، الذي لا يدعي بأنه صديق غارسيا ماركيز، فإنه استغرق 20 عاما تقريبا في البحث في سيرة حياة غابرييل غارسيا ماركيز وصدر له كتاب بهذا الخصوص تحت عنوان «حياة» .

وهي أول سيرة مصرح بها من قبل الكاتب. ويقف مارتن في صف بالسيلس حين يقول: أنا أيضا أعتقد أن غابو لن يكتب المزيد، على الرغم من أن ذلك لا يبدو لي مؤسفا جدا، لأن قدره ككاتب يتمثل في الشعور بنوع بالغ من الرضا كونه صاحب مسيرة أدبية متماسكة بشكل كلي امتدت لسنوات طويلة قبل أن يستكمل وجوده البيولوجي.

لقد كان وداعا متدرجا وئيدا قوامه «الذكريات والكلمات»، كما يقول الكاتب الكولومبي فيكتور عباد، وهو أحد أعضاء ذلك الجيل الذي تخطى تيار الواقعية السحرية، إذ يعتقد مؤلف «النسيان الذي سنكون» أن الوداع فيه شيء «حزين ورائع» في آن.

ويضيف: يروى أن غارسيا ماركيز دعا، منذ فترة وجيزة، مجموعة من الأصدقاء لتناول الطعام في منزله في المكسيك من أجل الاحتفال بأمر لا يحتفي به الكتاب عموما ويتمثل في أنه مضى عليه عامان من دون كتابة ولو فقرة واحدة. في حين تمثل انسحابه الأول من ميدان الكتابة في وصف نفسه بأنه مراسل في استراحة قبل أن يضيف أنه ترك الصحافة. وكما لو أنه أراد الوصول إلى حالة من الصمت خطوة تلو أخرى، قرر لاحقا التقاعد ككاتب أيضا.

مع ذلك، فإن مسألة ألا يكتب غارسيا ماركيز المزيد لا تعني بالضرورة أننا لن نرى كتبا جديدة له. خلال عام 2008، قال صحافيان كولمبيان يفترض أنهما مقربان من الكاتب إنه ثمة رواية غرامية جاهزة للنشر، حتى أن أحدهما غامر .

وقال إن عنوانها هو «في أغسطس نلتقي». لكن بحسب مارتن، فإن الروائي يحتفظ ، عمليا، بزوجين من الكتب الكاملة. والسؤال الآخر الذي يبقى يشغل الأوساط الأدبية يدور حول «معرفة إذا ما كان سيقرر أن هذين النصين جديران بالنشر تحت اسم غابرييل غارسيا ماركيز اللامع أم لا».

باسل ابو حمدة