رسالة إلى ميسون:
لم يكن متاحاً لي سوى أن أخطف ورقة من دفاتري المدرسية، لأكتب لابنة جيراننا ميسون.. رسالة حب لاهبة، حتى شاعت دفاتر الرسائل الملونة بالقلوب الحمراء وطيور الحب والأزهار، فأناول الرسالة لأختي الصغيرة منبهاً من انكشاف حبٍ ممزوج بأحلام المراهقة الأولى.يقال بأن الرجل يراهق مرتين؛ أخطرهما: جهلة الأربعين.فهل تراهق المرأة مثل الرجل.. مرتين؟!من الصعب.. التقاط كيف تستعيد امرأة مراهقتها الأولى وهي تمر بربيع أنوثتها في الثلاثين، أو حين تتعتق في الأربعين كنبيذ في خوابي الأقبية، إلا إذا كانت لم تعش مراهقتها الأولى ككل الفتيات والصبايا، عندها.. تظهر عليها الأعراض الجانبية للحب بوضوح لا التباس فيه.
أعادت ابنة الجيران رسالتي، وقلدت أختي نبرتها:
ـ أنا الأولى على صفي، ما بدي أرسب.. كُرْمَى لسواد عينيه!.
لم أدر وقتها.. كيف يقترن الحب بالرسوب في المدرسة، فكتبت رسالتي الأخيرة اليائسة، وفيها سؤال سقراطي:
ـ أنت شاطرة في الدراسة، والحب أيضاً.. امتحان، فلماذا تخافين امتحان الحب معي وحتى الرسوب فيه؟!
بعد ست سنوات فاجأتني ميسون بأنها تعلقت بصديقي نوَّار عبر مكالمات هاتفية متواصلة حتى مطلع الفجر.
الهاتف أيضاً.. رسالةٌ بين اثنين، وستتغير أشكال الرسائل ولا تتغير مضامينها بتوالي الأزمنة، خصوصاً بين اثنين فاجأهما الحب، كما لو أنهما شجرتان في شمس آذار بعد عاصفة من البرق والرعد والمطر.
أخبرني نوار أن ميسون لم تعد تتصل، لم تعد ترد على رناته الثلاث وأنها تتفاداه وهي في طريقها إلى المدرسة، كأنما تتفادى غواية صوته العاشق.
الصوت أيضاً.. أحد رسائل الهوى والهيام.
ثم فاجأتنا أنا ونوار بزواجها المباغت من رجل يكبرها بعشرين عاماً، حتى سمعنا بأنها عادت إلى بيت أهلها حاملةً بقجة ملابسها، فرأينا زوجها صاعداً الأدراج إليها في مفاوضات ماراتونية؛ وهابطاً في كل مرة؛ كما لو أنه صخرة تتدحرج يأساً وتعاسة حتى يكاد الحب يفتتها، وقد اشتبهنا ليلاً برجل يحوم حول بيتها فإذا هو زوجها متلبساً بغيرته، ذهبنا به أنا ونوار إلى المقهى؛ لم يدر أننا أيضاً.. أحببناها مثله، فأخذنا نواسيه كما لو أننا نواسي أنفسنا، وهو يرشف الشاي ذاهلاً يود لو يعرف سبباً لطلبها الطلاق منه، ولم يعرف أهلها لماذا؟!
بعدها بسنوات اعترفت ميسون لي:
ـ لم أنسجم معه.
ـ جسدياً؟!
ـ وعاطفياً.. كأني تزوجت ما يشبه أباً.
ـ لكنه أحبك بجنون.
تنهدت: أعرف، لهذا حسمت الأمر بسرعة لأوقف آلامه، وحين خطب غيري اتصلت به وتمنيت له حياة سعيدة.
ـ كما فعلت مع نوار، وكما ستفعلين معي حين أتزوج!.
ضحكت طويلاً.. فعلقت:
أحببناك نحن الثلاثة، فهل هذا مصير العاشق الرابع أيضاً؟!
انقطعت ضحكتها:
ـ لن أحب ثانية، بتُّ أخاف من الخسارات، سأتزوج من أي رجل يمضي معي ما تبقى له من عمر، هكذا.. بلا مشاعر، بلا حب، وكأني أوقع عقد شراكة معه ضد الوحدة والشيخوخة وبغتة الموت.
سألتها:
ـ ما أقسى خسارات المرأة؟
ـ أن تخسر رجلاً.. أحبته، أو.. رجلاً أحبها حتى لو لم تحبه..
صمتت قليلاً ثم تابعت:
ـ الأقسى.. أن تخسر عمر أنوثتها وهي تنتظر الحب.
تأملتها وقد أنضج الحزن أنوثتها فمنح عينيها سحراً لا يضاهى.
سألتني:
ـ أمازلت تحتفظ بتلك الرسالة؟!.
ـ لن أحتفظ بها بعد الآن، سأرسلها لك.. كما لو أنها لأول مرة.
ـ مع أختك؟!
ـ بالبريد العاجل جداً.
ضحكت:
ـ كعادتك حين انخرطت في هواية المراسلة.
ـ لم أقل لأحد.. كيف عرفت؟.
ـ سلمني ساعي البريد مرةً.. رسالة، فرأيت رزمة رسائل تحتها، قال إنها لك، ثم قال: الله يشفيه جارك، سيقضي عمره وهو يلحس قفا الطوابع ليلصقها على علاك فاضي.. ماله طعمة.
ضحكنا.. علقت:
ـ هذا أول ساعي بريد في العالم.. يكره مهنته.
قالت:
- ويعيد الرسائل إلى أصحابها!.
هكذا.. أيضاً، وصلتني رسالتي إلى ميسون من جديد، عائدة إلي، وقد كتبت ميسون على آخر الهامش الأبيض في أسفل ورقة دفتر مدرسي مطوية بعناية:
ـ أعيد رسالة حبك لي، لأحتفظ طوال عمري.. بصداقتك.
المحبة لك دائماً.. ميسون!!.
رسالة إلى فاطمة:
كم أفتقد اليوم تلك النكهة الحلوة لصمغ الطوابع على طرف لساني، ولهفة انتظاري لرسالةٍ من أقصى المغرب، أو من اليمن حيث أقصى الجنوب، من مصر أو تونس أو الإمارات، وأن أحبَّ فتاة بالمراسلة.. فقط، ثم تنقطع رسائلها عني لتعود رسائلي وقد كتب عليها ساعي بريد مغربي بقلم أحمر: «العنوان خطأ» هكذا.. بألف ممدودة، زائدة، لا عمل لها!.
ثم لا أدري لماذا حين سافرت إلى المغرب لحضور مهرجان الشباب العربي، كيف قصصت المثلث الذي كتبت عليه عنوانها فدسسته مع صورتها الفوتوغرافية 33 سم في حقيبتي، وحين ذهب وفدنا إلى أسواق الرباط أخذت سيارة تاكسي، أعطيت السائق المثلث الورقي لرسالتها، أوقفني عند درج صاعد بالبيوت الصغيرة البيضاء إلى زرقة السماء:
هذي هي الزنقة.. البيوت لها أرقام.
دققت جرس الباب، فتح لي طفل محدقاً بي في دهشة طفولية، ثم ظهرت من ورائه أمه، قلت وأنا أنظر إلى مثلث العنوان بين أصابعي:
ـ مرحباً، أنا من سوريا، أبحث عن فاطمة...
ولم أكمل الكنية، ابتسمت الأم التي أمامي، لوهلةٍ.. لم أدرك أنها الفتاة ذاتها التي راسلتها وحفظت تقاطيع وجهها من الصورة، وهي نفسها من تقف أمامي وطفلها يمسك بتلابيب جلبابها المغربي:
ـ سبحان من جمع الشامي بالمغربي.. تفضل.
تحوَّل اللقاء كله إلى مفارقات ضاحكة حتى دمعت أعيننا، والطفل بيننا يضحك بالعدوى منقلاً نظراته بين أمه وبيني.
تأملت فاطمة صورتها.. صورة ما كانت عليه في مراهقتها الأولى وقد أحبت بالمراسلة شاباً من أقصى الشمال السوري، وها هو ذا أمامها بشاربين وذقن حليقة، نهضت إلى خزانة في الزاوية، أخرجت منها صورة ما كنت عليه وقد وصلت إليها متأخراً بعد اثني عشرة عاماً بالتمام والكمال.. قلت:
ـ كتب ساعي بريدكم أن العنوان خطأ، لم أعدت لي رسائلي؟!
ـ خطبني يوسف، لم أعد فاطمة التي في الرسائل، لهذا قلت لساعي البريد إن العنوان خطأ.. فأعادها لك، احتفظت برسالة واحدة منك وبصورتك.. إيه.. أيام!.
دق جرس الباب بإصرار وتدفقت بنتان وصبي عائدين من المدرسة، احتضنتهم فاطمة بلهفة أمومتها وقد فاجأهم وجود شاب في بيتهم، ثم فاجأهم أني سوري، فأمطروني بأسئلتهم الطفولية المتوالية، حكيت لهم عن التجريدة المغربية التي قاتلت معنا في حرب تشرين، بينما كانت فاطمة تعد لهم الطعام، أصرت:
ـ ستبقى معنا على الغداء.
حاولت أن أعتذر.. ابتسمت:
ـ يوسف يعرف حكاية المراسلة بيننا، سيكون مسروراً باستضافتك.
لكني اعتذرت لارتباطي بفعاليات المهرجان، طمأنتها أني سأعود قبل سفري.. ولم أعد، كما لو أن أجمل الرسائل هي التي لا تكتمل حكايتها.
رسالة إلى وعد:
أصبت بالإحباط حين ردت ميسون رسالتي الأولى إليها، حتى رأت ابنة جيراننا وعد رواية في يدي، فطلبت مني بنبرة فاتنة وبريئة أن أعيدها الرواية بعد أن أقرأها، فلم أقرأها؛ خفق قلبي وأنا أستعيد جملتها ورنين صوتها العذب وانخطاف زرقة عينيها تحت رموشها الشقراء، هكذا في مراهقتنا.. نقع في الحب من أول جملة، من أول حرف في الرسالة متدحرجين من سطورها الأولى وحتى نهاياتها المفتوحة على كل احتمال.
أمسكت قلم الكوبيا الأحمر وصرت أختار من الرواية كلماتٍ بعينها، مؤشراً تحتها بخطين لا يلتقيان، ناسجاً منها رسالة حب، ثم خشيت ألا تسعفها غريزة استطلاعها الأنثوي فلا تفك شيفرات الكوبيا، اتصلت عبر هاتفنا نصف الآلي.. نصف اليدوي مختبئاً وراء سؤال عن مسألة فيزيائية، فقعني والدها.. بما يلي:
ـ تضرب إنت وإياها يا كر، ما بتعرف إنو بنتي حمارة في الفيزياء، ما عاد تتصل وإلا فرمتك شقف وكباب!.
فحمدت الله أن والدها لم يكن قصاباً، وما إن أراه خارجاً إلى عمله المسائي حتى نخطف المكالمات خطفاً لنتواعد غالباً في مكتبة المركز الثقافي، وهناك اعترفت وعد لي بأنها تموت في الشعر الغزلي.
نمل جسدي كله، وأخذني هذيانٌ فلم أترك ديوان شعر لنزار قباني في مكتبات إدلب إلا واشتريته لها، دستها تحت الفراش كما لو أنها في تلك الأيام قنابل موقوتة، ثم دسَّت لي في حقيبتي المدرسية مقاطع اختارتها لي بخط يدها.
اختيارها للمقاطع كان رسالة أيضاً، أشبه برسالة كتبها بالنيابة عن مشاعرها نزار قباني.. شعراً.
لكنها همست وهي بجانبي في قاعة المطالعة:
ـ أحلم بقصيدة يكتبها شاعر خصيصاً لي.. وحدي.
اشتريت ماعون ورق أسمر ومحبرة سوداء ورحت أقرض الشعر لأجلها، أعادت لي أيضاً.. أول قصيدة قرضتها طوال ليلتين على إيقاع شخير أخي الذي يقاسمني الغرفة، قالت:
ـ لا أريدها.. أنت تقلد نزار قباني وهو يشخر!!.
كانت وعد من حيث لا تعلم الناقد الأدبي الوحيد الذي امتثلت لملاحظته النقدية، وهكذا.. ابتعدت عن شخير أخي، أغلقت عليه باب الغرفة، ورحت إلى طاولة المطبخ؛ أكتب.. لأمزق ما كتبته؛ حتى بدأت وعد تحتفظ بقصائدي.
لازمت طاولة المطبخ أغلب ما كتبت طوال هذه السنين، المطبخ هو أكثر الأماكن صمتاً في بيت أهلي بعد نوم البطون، وأبعده عن غرف النوم، وأقربه إلى معدَّات القهوة والشاي، حتى.. حين تزوجت، صرتُ بالغريزة أقفل باب المطبخ ورائي وفي يدي أوراقي، أنظف الطاولة وأعمل دولة قهوة مستقلة فاتحاً درفة الشبّاك صيفاً وشتاء حتى لا ألوث هواء المنزل بنفايات سجائري دخاناً ورماداً، ولأسعل كما أشاء دون أن أزعج أحداً حتى مطلع الفجر.
دخلت أختي المطبخ وفي يدها رسالة من وعد، لم تستطع تسليمي إياها حتى نام الأهل، أحسست كما لو أن رسالتها مبللة بالدموع، ومعها حزمة قصائدي وقد أعادتها لي.
أحسست كما لو أن رياح العالم قد احتبست في رئتي ولم تعد تريد الخروج، كان خطُّ وعد هذه المرة.. قلقاً، مرتبكاً، وفي مدِّ حروفه انكسار لا يكاد يرى، كتبت رسالتها بالعامية.. أيضاً، كما لو أنه لا وقت، أو.. لا قدرة لها على تدبيج رسالة بالفصحى:
ـ خطبوني لواحد ما شفته غير مرَّة، يشتغل في الخليج، رح يجوزوني بعد فحص التاسع، بغضّ النظر عن النتيجة.
نجم.. لا تزعل، بكل الأحوال نحنا كنّا بطول بعض، والبنت بتكبر أسرع من الصبي، ولو كنت لحقتني بالطول ما كنت قبلت إتجوَّز.. غيرك.
حبيبة قصائدك.. وعد.
وقبل أن تسافر إلى الشارقة مع زوجها؛ أرسلت لي ورقة بيضاء لا كلمة فيها، فقط.. طبعت وعد حمرة شفتيها على البياض الأليف.
المناديل المطرزة بالإبرة.. حيث يتربع في الزاوية أول حرفين من كل اسم وبينهما قلب أو حمامة أو زهرة ياسمين.
المناديل المبللة بعطر الحبيب، وتلك الورقة بآثار شفتيها.. أليست كلها رسائل هوى وهيام؟!.
ثم لا أعرف كيف بقيت آثار شفتيها مطوية في درجي واختفت كل قصائدي إليها، حتى اكتشفت أن أخي الذي باتَ مراهقاً أيضاً.. يستخدمها لمآربه العاطفية، فتحت درجه فاكتشفت رسالة إليه تتغزَّل كاتبتها برقة «قصائده»، صرخت فيه:
ـ منفلوطي يا ابن الحرام، أنت لا تأخذ أكثر من ثلاث علامات في موضوعات التعبير.
وكدت أهدّده بكشف سرِّ «قصائدي» لحبيبته، ثم رقَّ قلبي فسمحت له باستخدام كل مخزوني الإستراتيجي من الرسائل والقصائد الخائبة.
المفاجأة أن أخي نجح بفضلها فيما فشلت فيه.. حتى الآن.
وأعترف أني شعرت بالغيرة، وأنه يلطش مشاعري التي أحولها في سهرات مضنية إلى حروف وكلمات ومقاطع.
وشعرت باليأس.. كأن الكتابة في الحب هي رحلة لا تنتهي وراء حب مستحيل، أو أن الكاتب يكتفي باقتناص لحظة مضت من حياته وكأنه يعزي نفسه حين تبدو وكأنها خرجت منه إلى الأبد، وبأنها لم تعد تعنيه، ويتفادى الأسماء الصريحة لأبطاله، خصوصاً.. أسماء النساء اللواتي لم يغادرنه حتى بالكتابة عنهن، كما أفعل الآن.
بعد ذلك فرحت.. حين رأيت أخي وحبيبته المتيمة «بقصائده» كحمامتين على مقعد في الحديقة العامة؛ لأن ما أكتبه يصل إلى غايته الأسمى: الحب، حتى لو لم أكن طرفاً فيه!.
ثم دقَّقت النظر في حبيبته، كانت.. جميلة ذاتها، ولم تكن تشبه امرأة أحلامي في شيء، فحمدت الله أنها لم تكتشف حتى الآن سرَّ قصائدي ورسائلي التي أوصلها ساعي بريد بالخطأ إلى عنوان قلبها المراهق الصغير.
رسالة «لايف» إلى غيداء:
دخلت إلى الجامعة ـ خائباً مرتين.
أمضيت الفصل الدراسي الأول منغمساً في الأنشطة الأدبية والمسرحية وفي النادي السينمائي وحين فكرت بإخراج نص محمود دياب:
الرجال لهم رؤوس، بدأت أبحث عن زميلة تستطيع تمثيل دور الزوجة بينما أمثل أنا.. دور الزوج!
فجأة.. خطفتني ضحكاتها الصاخبة آنذاك، وسحرها شبه.. النوويّ، حضورها، فتنتها العشتارَّية؛ قلت في نفسي:
ـ الثالثة.. ثابتة!
عاملتني كزميل، ثم تعزَّزت صداقتنا، وكنت أحسُّ خلال البروفات المسرحية أن مشاعر الشخصية التي أمثلها أمامها تختلط فوق الخشبة بمشاعري، وأنها التقطتها.. لكنها تتريَّث، أو.. أنه الدلال الأنثوي، ثم بدت وكأنها تحسُّ بغيرتي من قطعان المعجبين بها، ومن حولها، أينما جلست، وأنّى مال خصرها حين تمشي، حتى أوحت لي.. كما تفعل كل امرأة؛ بأنها تنتظر مبادرتي.
فبادرتُ كما يليق بعاشق متهور، وكأني في سباق لاجتياز كل الحواجز الخائبة مخلفاً إياها ورائي، رُحت.. دسستُ اسمي في أمسية شعرية بعد أن طلقت الشعر ثلاثاً، ثم دعوتها لحضور الأمسية، وحين صعدت إلى المنبر.. قررت اختبار وسيلة اتصال لا تضاهى: البث المباشر!.
فردت أوراقي على المنبر، وما إن نظرت نحوها حتى وجدت أصابعي تشير إليها؛ حيث جلست على يمين المدرج، في الصف الثالث تماماً، لفظتُ اسمها.. واضحاً وصريحاً مع الكنية، ثم أهديتها قصيدتي.
احمَّرَ وجهها، تعرَّقت.. فصارت أجمل مما كانت عليه، والتفت الحشد الذي في مدرج الجاحظ إليها.. بعيون مستطلعة أو جاحظة، فأخذت تنظر إلى ظل قدميها المرتعشتين تحت المقعد طوال إلقائي للقصيدة، وحين انتهيت وأنا أرتجف من التوجس وترتجف بين أصابعي أوراقي.. خطفت إلى نظرةً لا أستطيع نسيانها.. ما حييت، كما لا أستطيع وصفها منذ تلك اللحظة، واليوم، وفي كل حين!.
كانت تلك النظرة.. أكثر رسالة حبٍ حاسمة في حياتي!!.
حتى لكأننا مثّلنا دور الزوجة والزوج.. على خشبة المسرح، لنعيد تمثيله ارتجالا، ومن غير نص.. على خشبة الحياة.
ولا أدري.. أهي الرسائل التي تكتبنا، أو.. أنه الحبّ، ونحن.. رسائله في كل مكان وفي أيّ زمان؟!!.
القاص في سطور
* كاتب قصصي ومسرحي وناقد سوري، ولد في مدينة ادلب 1959. يعمل في حقل الاعلام ويعد من أبرز الأصوات الجديدة في القصة السورية.
من مؤلفاته:
* «حكاية تل الحنطة» مسرحية ـ 1986. «درب الأحلام» مسرحية ـ 1989. «الأنفاس الأخيرة لعتريس» قصص ـ 1993. «ساعة باب الفرج» قصص ـ 1994. «نون النسوة» قصص ـ 1995.

