ما بين النجومية الرياضية في ملاعب كرة السلة، وبين ورش الإنشاءات والتعمير في الهندسة المدنية، اقتحم الكاتب السوري إياد محفوظ عالم القصة القصيرة، يدلي بدلوه ويعمل على تطوير تجربته، دافعه إلى ذلك هواية أدبية اكتسب بذورها الأولى من خلفية ثقافية وتربوية، غرسها والده الدكتور جميل محفوظ، أحد رواد التربية في الوطن العربي، وحتى تتكلل الصورة ونسيجها بالنجاح، اخلص إياد لإرثه الفكري.

بمبادرة كريمة من أسرة الراحل جميل محفوظ وبرعاية من وزارة الثقافة السورية، تأسست جائزة الدكتور جميل محفوظ للإبداع القصصي، لتكون واحدة من المحطات الأدبية السنوية التي ترعى الأدب والأدباء وتكرم الرواد الأوائل، حيث كرس المهندس إياد محفوظ جزءاً من وقته لهذه الجائزة الأدبية التي اتخذت من مدينة حلب منطلقاً لها نحو إرجاء الوطن العربي. يؤكد إياد محفوظ إن تجربته القصصية كانت حلماً يراوده منذ الطفولة، هواية كامنة، كانت تحتاج إلى الوقت المناسب لتفجيرها، فطفولته ونشأته في جو أسري تحفة الثقافة والأدب، ومن حوله مكتبة أدبية وفكرية ثرية، ومرافقته لوالده في حله وترحاله، بسبب ظروف مهنته الأكاديمية ما بين حلب ودمشق وبيروت ومكة والبصرة.

حيث كان أستاذاً للتربية أكسبته خبرة ثرية، صقلتها نجومية رياضية على مدى عشرات السنين، قضاها في ملاعب كرة السلة السورية حاز فيها على البطولات ومثل سوريا في معظم المنتخبات الوطنية، إلى أن حط به الرحال بعد أن تخرج من كلية الهندسة المدنية بجامعة حلب، وجاء إلى مدينة العين لينخرط في سلك رجال الأعمال.

ولم تثنه المشاريع الهندسية وورش العمل والعمال من متابعة حلمه الأول، كتابة القصة، فكان يسترق الوقت بين الحين والآخر ليخط خواطره وما يدور في ذهنيته، ويجود به قلمه، حتى تراكمت الأفكار والكلمات وتزاحمت في داخله تبحث عن مخرج إلى مسرح الحياة الأدبية، ومن بين جدران منزله أسس صالوناً أدبياً مصغراً دعا إليه الأصدقاء من محبي الفكر والثقافة والأدب من أبناء الجالية السورية المقيمة في مدينة العين، سيما الأساتذة العاملين في جامعة الإمارات.

حيث كانت تلك اللقاءات متنفساً لهم لاستعراض نتاجاتهم الأدبية والفكرية، ومن وسط الزحام وجد إياد فرصته ليلقي باكورة إنتاجه القصصية بين تلك الثلة من الأدباء لتجد عندهم موضع الاحترام والتقدير والتشجيع وتثري مخزونه الأدبي، وتنطلق الخطوات الأولى نحو عالم جديد، عالم القصة القصيرة .

وتتسارع الخطى نحو الحرفية الأدبية ويصدر إياد مجموعته القصصية الأولى «أحلام الهجرة المعاكسة»، أطلق فيها العنان لأفكاره مزج فيها بين أحلامه الإنسانية ومواهبه الأدبية والرياضية وهموم الاغتراب عن الوطن، ثم أصدر المجموعة الثانية «الروح المنسية» ليقدم إضافة ثرية واعدة للساحة الأدبية، منطلقاً من قصص عاشها وأحداث عايشها وتعامل معها فكانت تتفاعل في ذهنه وفكره إلى أن وجدت لها موقعاً على صفحات الصحف ومنابر الأمسيات الأدبية، ومن ثم يوثقها عبر إصدارات ومنشورات موثقة.

انتسب إياد محفوظ إلى اتحاد الكتاب والأدباء العرب واتحاد الكتاب والأدباء في دولة الأمارات، ليبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى ليتوج مشروعه الفكري والأدبي بإطلاق جائزة المرحوم الدكتور جميل محفوظ للقصة، وقدم لها بإصدار كتاب يحمل اسم «ريادة في التربية»، يجمع فيه بحوثاً في علم النفس التربوي، وقد كتب المقدمة الدكتور عبدالرحمن الدركزللي، مستعرضاً الحياة العلمية والعملية للدكتور جميل ونتاجاته الفكرية والأكاديمية منذ ولادته في العام 1914 لأسرة حلبية في حي الهزازة،.

ودراسته في مدرسة التجهيز الأولى، وتخرجه من دار المعلمين، وتوليه قيادة فوج الكشافة في حلب، ومشاركته في المؤتمر العالمي الأول في العام 1937، ومن ثم ابتعاثه إلى فرنسا في العام 1937 للحصول على دبلوم التربية وعلم النفس، ومن ثم إجازة في الآداب كللها بعد ذلك بنيل درجة الدكتوراه من السوربون في العام 1945، ليعود إلى وطنه سوريا مدرساً في ثانوية جودة الهاشمي بدمشق ودار المعلمين والمعلمات بدمشق ومديراً للبعثات في وزارة التربية.

يعود بعدها إلى مسقط رأسه حلب وينخرط في مدارسها يتولى مهام مدير دار المعلمين والمعلمات في العام 1954 ثم يغادر من جديد إلى فرنسا ليشغل منصب الملحق الثقافي بباريس، وتطول به رحلة التنقل في مواكب العلم والتعليم حاملاً الرسالة الخالدة لتلك المهنة الإنسانية الراقية، ليحط به الرحال في مكة المكرمة مدرساً في كلية الشريعة في العام 1966، ينتقل بعدها للعراق مدرساً في كلية التربية بجامعة البصرة، وقد أتاح له الترحال العلمي الكثير من المعارف والعلاقات التي صقلت تجربته العلمية والفكرية.

عن حياة الدكتور جميل محفوظ تحدث الدكتور عمر الدقاق في ندوة أقيمت بكلية الآداب بجامعة حلب بمناسبة إطلاق (جائزة الدكتور جميل محفوظ للإبداع القصصي) في دورتها الأولى وجمعها في كتابه «ذاكرة مدينة» تحدث فيه عن الإبداع والمبدعين وتكريم الرواد الأوائل عبر التاريخ.

هواجس وطنية

ما يميز تجربة القاص إياد محفوظ بحسب رأي النقاد، أنه يجرب أساليب متنوعة في القص، العمق، والاقتصاد اللغوي معظم قصصه تدور أحداثها في حلب على نحو مباشر، وبعضها الآخر تنطلق من حلب محولة أجواءها وعلاقاتها الاجتماعية إلى خلفية للقص، وبعضها تبدأ من مكان آخر ثم تنتهي في حلب. البطل غير معلن لعدد كبير من قصصه، وأما الهواجس التي تدفعه لممارسة الكتابة القصصية فهي هواجس وطنية، أهمها هاجس العودة إلى الوطن والديمقراطية والهاجس الإنساني والأخلاقي.

داوود محمد