ربما كان أهم تعريف للهرمون هو أنه المسؤول عن حياة الجسم وموته، آمره الناهي وعبده المأمور معاً لأن ما يقوم به يتبع سلسلة من العمليات المتعلقة بأنشطة الجسم وضبط وظائفه المختلفة في النمو وهضم الطعام والحركة وحتى عمليات التفكير ذاتها.

إن ما يسمّى بالمنشطات الكيماوية المختلفة تلك التي يتعاطاها الرياضي وما يتعلق بالجنسية منها، وما يدخل في خانة الفيتامينات يتعلق به وذلك بتدخلات إجرائية معينة من الخارج.

لا يعني ذلك أن الهرمون مجرّد متلقٍّ للأوامر، إن التلقي يكون في نطاق محدود له صلة بالجسم عمراً وتركيباً وصحة وظروفاً، إنه هو ذاته من يصدر أوامره، إلى أين؟ إلى صاحبه بالذات ومن يريد التحكم به من خلال ردود أفعاله، وهنا يسهل علينا تخيل أو تصور سقف العلاقة المتحرك بين التلقي وإرسال المتلقي. إنه نص مثير لشهية قارئه(صاحبه) بقدر ما يكون مزدوج الهوية إذ يكون نصاً تعميرياً وتدميرياً بتفاوت وفق قانون خاص به!

يمكننا أن نتحدث عن الدور الموسيقي للهرمون في تمثيل الجسم، وربما كان للهارموني صلة مباشرة بالهرمون ذاته باعتباره إفرازاً حيوياً، فيكون الهارموني «إفرازاً» صوتياً أو فنياً من خلال من يقوم به، ولهذا شبّهت الغدة النخامية نظراً لدورها الكبير في الجسم بقائدة الأوركسترا، إذ تسيطر على الغدد الأخرى في إصدارها أوامرها إليها، ولكنها من جهتها محكومة بقانون الجسم الحيوي من فرط نشاط أو ضموره وتلاشيه فيما بعد، كما هي الأمراض ذات الصلة المتعلقة بالخلل الحاصل فيها«تبلبل إفرازاتها المتشعبة»: بابلها الجسمي..

الهرمون بالصيغة السالفة ليس أكثر من المستبد العادل، فهو بالقدر الذي يمتلك سلطة تأثير يُظهرها في جسمه الذي يتوزع فيه ولا خيار أمام الأخير في الرفض أو العصيان، ولكنه في عمله هذا معنيٌّ بكل مكوّنات الجسم ووظائفه فهي ترتد إليه نسَباً، وهنا يكون استحقاقه العدلي، وفي الوقت ذاته ربما يسهل تعرضه لأي علَّة تجرده من سلطته تلك .

وبالتالي تبرز السلطة هنا مستبدة بجلاء، أو أحادية البعد وتفاضلية منزوعة العدل، كما في تضخم عضو جسمي على حساب سواه بفلتة هرمونية ما أو محاباة عارضة، ولهذا شبّه ليس المجتمع نفسه بالجسم الواحد وإنما السلطة ذاتها، نظراً لتنوع عناصر الجسم ووظائفه وما وراء الحسّي فيه، فيكون الجسم وليس الجسد وحده خطاب خفاء أكثر مما هو خطاب ظهور، حيث يستعصي أحياناً كثيرة على فهم الجاري والمتحول فيه.

وفي الوقت ذاته شبّه النص نفسه بالجسم أو الجسد(corps) والمدوَّنة(corpus)، وما في ذلك من شعور باللذة (لذة النص) والمتعة والانفعالات المرافقة وتنوعها كما لو أن الهرمون هو الذي يقسّم النص: الجسد إنسانياً إلى القابل إلى القراءة والجالب للدهشة والمنضبط، والمثير للناظر فيه...الخ فنحن تجليات هرمونية في حلنا وترحالنا!

نعم، ثمة نظام كامل للهرمون هذا الذي يرسم تاريخ وجودنا، مثلما يدوّن في وجوده ما يرقى بنا أو يحطُّ من قدرنا قيمياً وذوقياً وكأننا مستعمرات هرمونية كذلك قبل أن نكون أجساداً مستقلة، أننا نتحادث من وراء هرموناتنا في حالاتنا السوية واللاسوية أننا نستعيذ منها مثلما ننشد رضاها وإن كنا نتصرف معها وهي في الداخل بنوع من الولاية الأمرية.

كما لو أنها تتحرك مأمورة ولا تحدد نشاط محرّكها، كما هو شأن من يتحدث ومن يعمل وهو على يقين كامل أحياناً أنه يتبع نظاماً خاصاً به دون أن يعلم أن مستبداً عادلاً يعلو بجلاء قانونه الذي يفرضه على جسمه وحتى على ذاته أحياناً، يوحّده مع الجميع وينذره في حالات الخلل وإن لم يستجب، يعلمه أن ثمة نظاماً هرمونياً كوني الأبعاد يصل ما بين جميع الكائنات وأن الحكمة الكبرى تتطلب وعي الذائقة الهرمونية وهي في كونيتها وما هو أسمى بها، ليشعر أن فعل هرمونه فيه بكل روعته له وعليه بحسب إدارته المجازية له.

وأن المتعلق بكل من المستبد والعادل يؤول إليه فيما يفكر أو يقول أو يعتبره إبداعاً إليه كما هو الممكن التأكد منه من خلال من يعنيهم أمرنا أو يعنينا أمرهم كونياً، لأن ثمة كوناً هرمونيَّ الأبعاد وهو في تجلّيه الروحي اللامنظور كأبعد مدى له، وهذا ما يمكن تلمسه في القلة القليلة من حكماء الإنسانية على مر العصور في ملحميَّة هرموناتهم!

إبراهيم محمود