على طريق الأسلفت الذي يخترق بك رمال الصحراء الذهبية بين دبي المدينة المركزية وأي قرية تنام بين كثبان الرمال، على اللسان الأسود الذي تنطلق فوقه مئات السيارات حاملة ضجيج المركز ستشعر انك محمول فوق موج محيط حيث الكثبان في الصحراء أمواج محيط شكلتها الريح حسبما تشتهي، أمواج من رمل ذهبي.. تلال تعلو وتنخفض على امتداد البصر..
في مشاورينا الاعتيادية لا نشعر بما تضمه هذه التلال والشجيرات المتباعدة وأعشاب البرية من حياة.. هناك آخرون يشاركوننا البيئة بكامل هوائها ومائها وترابها وشجيراتها. في الإمارات أربع بيئات رئيسية، بيئة الساحل، بيئة القرى الزراعية والواحات، بيئة الجبل وبيئة الصحراء ذات الرمل الذهبي، هذه البيئات تبدلت الحياة فيها بعد زحف المدنية، وفقد صوتها الخاص.في السابق كان الحضور ساطعا لحياة هذه البيئات، حيث كانت حياة الناس وتفاعلهم مع ما حولهم هادئا، هذا الهدوء كان يقربهم من نبض المكان، فحينما تكون خيمتك على تلة رملية في عمق الصحراء فلا عجب أن زارتك الظباء أو مرت عليك الحبارى.. وإذا ما أشعلت ناراً في ليل حالك السواد فلا عجب أن تلتمع في الظلمة عين ثعلب أو أرنب بري..
وان جاورت الجبل، ورميت بأحمالك تحت شجرة «السمر»، فلا تستغرب أن يزورك غزال جميل تسحرك عيناه فتتدفق شعرا وقصائد. أجدادنا وآباؤنا عاشوا حياة بالقرب هذا التنوع الحيواني للبيئات الأربع.. حتى الغواصين الذين كانوا يغوصون في أعماق البحر بحثا عن اللآلئ كانت أبقار البحر تمر من فوقهم وبجانبهم، فكانوا لا يخشونها.. اليوم نلهث كثيرا في كفاحنا اليومي من أجل العيش.. نمتطي سيارات مسرعة رقمية وذات تقنية عالية، لكننا ننحشر بداخلنا فنمتنع عن علاقتنا بما حولنا، خصوصا تلك الحيوانات التي كانت علامة من علامات الجزيرة العربية وساحل الخليج..
ربما طلبة المدارس وحدهم من بيننا اليوم من ينكبون على سؤال عن أنماط الحياة في البرية والجبال، أما نحن فنكتفي بالعبور.. كيف عاش الأجداد مع حيوانات البرية؟ حينما كانت الظباء ترتع في «السيوح»، كيف نتعايش نحن معها اليوم بعدما سورناها في ما تبقى لها من بيئات حفاظا عليها؟. كثير منا يقول: منذ زمن طويل لم تمش قدماي على حافة هضبة رملية لتنسل من بين حشائشها سحلية بيضاء أو ذات لون مراوغ،، منذ زمن طويل لم أر غزالاً ينهب المسافات،.. هذا الفقد هو ما يجعل من هذيان الحب هذا مفتاحا لسيرة الحياة فيما حولنا، نحن البشر، الذين أصابنا الغرور وتغافلنا شريكا مهما في مكاننا.
في الماضي كانت الحياة بسيطة، كان الهدوء سيد الأماكن، وكان الإنسان قليل الأذى للحياة وللأشياء من حوله.. في صحراء الإمارات كان الملاذ جميلا لظباء وضباع وغزلان وسحالي وثعابين وعقارب ملونة، أرانب صفراء وأخرى بنية داكنة.. حشرات وزواحف وضفادع صديقة الجبال والوديان..
في موقع مصوري الإمارات على شبكة الانترنت معرض فوتوغرافي يحيلك إلى سحر الطبيعة في البيئات الأربع التي من حولنا.. يقدم وجبه بصرية ثمينة للذين يريدون الاقتراب من تلك الحيوانات والطيور التي هي بيننا.. هو واحد من المواقع الشبابية التي تسعى إلى تسجيل ملامح الحياة هنا، واحد من المواقع النبيلة التي تترصد الجمال وتروج له من باب الهاجس الوطني ومن باب الإبداع المشرع على فضاءات الإبداع.. يسجل الموقع رحلات بصرية ومن بينها تلك الطيور والسحالي والقنافذ وكثير من تفاصيل الحياة الثانية التي تحيا بقربنا وأخرى انقرضت.
تشير الأبحاث والتقارير إلى انه في الإمارات كانت تعيش سلسلة متنوعة من حيوانات البرية والجبال، وسلسلة متنوعة من الطيور لكن كثيرا منها قد شارف على الانقراض، بسبب عدة عوامل، منها القضاء عليها بالصيد، والضوضاء التي جلبتها المدنية، والقضاء على بيئة الحشائش وبعض الأشجار.
بالإضافة إلى التبدلات المناخية التي مرت على البلاد وأثرت كثيرا على الحياة الحيوانية في بيئاتها الأربع، هذا عدا عن الخطر الذي هدد الموائل والأخرى التي تمت إزالتها ومحوها من الوجود. حيث تؤكد الأبحاث إن الإمارات قد شهدت تراجعاً في الثدييات مثل المها العربي والوعل النوبي وغزال الرمل أو الريم والغزال الجبلي العربي وغزال دوركاش والذئب العربي والنمر العربي والطهر العربي..
تكشف الإحصاءات لنا أيضاً أن أبوظبي وحدها كانت تضم 400 نوع من الطيور بين مهاجرة ومستوطنة، كما يوجد بينها 12 نوعا من الطيور المهددة بالانقراض عالميا، من بينها نوع واحد هو النسر ذو الأذن الذي تميز أن موطنه أبوظبي حيث يقال إن زوجا أو زوجين يعيشان في جبل حفيت بمدينة العين..
من منا يتحمس اليوم لزيارة نسرين ذكرا وانثى يحلقان يوميا فوق قمة أعلى جبل في مدينة العين، وحدهما يحرسان مكانهما العالي، يصران على البقاء رغم الظروف القاسية.. هل فعلا نستطيع تحقيق ذلك اللقاء في زيارة واحدة وسريعة؟ سؤال صعب في زمن لاهث كل ما حولنا فيه من حديد وبلاستيك.
تقول الدراسات البيئية في الإمارات إن النظم الايكولوجية الساحلية والبحرية في إمارة أبوظبي تضم أهم أنواع الثدييات البحرية وهي «أبقار البحر». حيث تؤوي منطقة الخليج جزءاً من أكبر مجموعة معروفة خارج أستراليا من هذا النوع الحيواني السريع التأثر. ويوجد في أبوظبي برنامج مراقبة يتولى مراقبة هذه الأبقار البحرية ورصد تحركاتها وإحصاء إعدادها، حيث يسجل البرنامج حتى الآن ما يقرب من 3000 بقرة بحرية تعيش في مياهنا البحرية.
طيور في السماء وأبقار في البحر وزواحف فوق رمال الصحراء.. فهناك الحية المعروفة بالأفعى «الغبراء» أو الحمراء الترابية وطولها أقل من متر واحد، و«الحنيش» الرمادي المائل للسواد وهو أطول من المتر ثم حية «البثن» المرقطة بنقاط وبقع بيضاء ويتراوح طولها بين 75,50 سم، والعصلة ذات الحركة الجانبية، وحية «السليماني» وهي غير سامة ودقيقة طويلة بيضاء أو رمادية اللون.
تظهر هذه الحيات في أحايين كثيرة لتزحف على الإسفلت في ليالي الصيف، وإذا ما صادف ذلك الزحف مرور سيارة مسافرة على الإسفلت الأسود فان هذا التصادف كثيرا ما يكون محزنا.. فكثير من الزواحف تموت على الإسفلت دهسا، وأحياناً بسبب عبث البعض من الذين تتحداهم الطبيعة بأسرارها.. فالبعض يحمل في داخله انتقاما أزليا من أي شيء حي صغير يزحف!!
اختفت الوعول والغزلان والظباء من المساحات الترابية والواحات التي تقع أمام أعيننا ونحن نسير، مثل الزواحف الصغيرة التي تقبع خلف الصخور وفي الجحور الجبلية.. فمناطق الدولة تحتفي بأنواع كثيرة من العناكب منها السام ومنها الذي يكتفي بقرصة مؤلمة قد تجعلك لا تنسى تلك المناسبة مطلقا. وبجانب العناكب يوجد ما يقرب من عشرة أنواع من العقارب تنتشر في البيئات الجبلية والصحراوية، لها ألوانها وأشكالها ودرجات سميتها.
بعد حين من الزمن وحينما بدأ الفقد يوجع البيئة مثلما يوجع ساكنيها كان لابد من المحافظة على بقايا الملمح البيئي في الإمارات، وهذا الأمر وضعه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الاتحاد ضمن جل اهتماماته ولجهوده في الحفاظ على البيئة والمشاريع التي أطلقها للمحافظة على هذا التنوع البيئي سمي برجل البيئة الأول.
بعدها انطلقت الاهتمامات في أرجاء الدولة لإنشاء المحميات الطبيعية وإنشاء المتاحف الحية، مثل متحف الشارقة للبيئة البرية ومحمية رأس الخور وجبل علي في دبي واللتان أعلن عنهما في العام 1998 بموجب قرار معتمد من سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية رئيس بلدية دبي باعتبار منطقتي رأس الخور وجبل علي محميتين للحياة الفطرية واللتين تعدان من المناطق عالية الأهمية على المستوى الدولي لما فيهما من تنوع بيولوجي ونظم حيوية متعددة إضافة إلى وقوعهما ضمن المسارات الدولية للطيور المهاجرة.
فمحمية رأس الخور تعد اليوم من أهم المحميات وتبلغ مساحتها الإجمالية 6,2 كم مربع وتحيط بمنطقة المد والجزر سبخات مسطحة خالية توفير ملجأ وغذاء لكثير من الأحياء البحرية بما فيها الطيور كما تم زراعتها ب 43 ألف شتلة من أشجار القرم.. ويزور المنطقة سنويا 20 ألف طائر مهاجر وعابر إضافة إلى الوجود الدائم لأنواع عديدة من الطيور الفريدة في الإمارات كطيور النحام (الفنتير) أو الفلامنجو الذي يقدر بحوالي 1000 طائر. أما محمية جبل علي فتقدر مساحتها ب 80 كم مربعا وتتميز بكونها مرعى آمناً للسلاحف الخضراء والثدييات البحرية كبقر البحر والدلافين والرخويات والأسماك المرجانية..
وفي أيضاً محميات أخرى لها علاقة بالبيئة البرية ومنها المحميات في منطقة الخوانيج والعوير وهي منطقة تمتاز بالأشجار والنباتات البرية التي توفر موائل جيدة للحيوانات والزواحف والطيور البرية، حيث تضم المحمية اليوم أنواعا عديدة منها بينها حيوان المها العربية والغزلان والقطط البرية والثعالب والأرانب والطيور. محمية حتا هي الأخرى تضم اليوم بيئة جبلية مناسبة لحيوانات الجبل.
بدأت الجهود باكرة لاستعادة التوازن البيئي ومن أهم عناصرها المحافظة على الحيوانات التي استوطنتها منذ قرون طويلة.. وتنتشر اليوم العديد من المحميات في أنحاء الدولة برا وبحرا وفي المناطق الجبلية، واستطاعت أماكن التأهيل هذه أن تحافظ على شركائنا في المكان، لكنه يبقى مكان يشبه الأسر حتى وان كانت المساحات شاسعة، ونبقى نحن المتهمون بالتعدي على الجانب الآخر من الحياة هنا، في المكان..
اليوم قد تغنينا زيارة واحدة ولو بالصدفة لإحدى المحميات لكي نتذكر الشركاء الحقيقيين، لكننا في الوقت نفسه ما زلنا نمارس التعسف باتجاه موائلها الأصلية.. فنحن بالرغم من أننا جلبنا الاسمنت والحديد وذهبنا به إلى أعماق تلك البيئات الهادئة والساكنة من أجل بسط حضارتنا، إلا أننا أيضاً لا نكتفي بذلك.. فنحن ما زلنا نؤذي هؤلاء الشركاء عبر إيذاء بيئتهم وأمكنتهم.. فنحن نصر على إصدار الضجيج، مثلما نصر على رمي المناديل الورقية واكياس البلاستيك أينما نذهب.
ما عاد الوعل يعيش بقربنا لكي يلهمنا بمزيد من الشعر والقصائد، ولا عاد الذئب يعوي في الليالي الحالكة أو عند بزوغ القمر فتلك المشاهد سنتلمسها فقط في الأشعار، في صور تلك الأبيات التي يبكي فيها الشاعر إرهاصات حبه لنا.. تبقى المحميات اليوم وحدها التي تضم تلك المشاهد الآسرة للظباء في عدوها ولأبقار البحر في رقصتها المائية وللطيور النحام مشيتها الرسمية..
محمية الوثبة
عبارة عن ارض منخفضة تتأثر بفعل عوامل المد والجزر وحركة منسوب المياه تحت الأرض، وتقع في منطقة المفرق في أبوظبي، حينما بدأت تمتلئ بالمياه دبت الحياة فيما حولها وكونت مياهها بيئات رطبة نمت فيها ما يغذي مئات الطيور.. محمية الوثبة اليوم أعلنت كمحمية برية في العام 1998 وتبلغ مساحتها 5 كيلومترات مربعة ويعيش حول بحيرتها 200 نوع من طيور المنطقة، ومن بينها طائر «النحام» الذي يسمى بالدارجة المحلية في الإمارات «الفنتير».
محمية القرم..
تعتبر محمية القرم من المحميات الفريدة في الإمارات حيث تتنوع فيها الحياة المائية والحياة بين الأشجار التي تنبت من قاع البحر لتظهر متشابكة فوق سطح الماء، مشكلة غابة من الأشجار تنام فوق سطح الماء.. هذه البيئة وفرت مكانا طبيعيا لتكاثر اسماك الكابوريا وأنواع من الروبيان، وطائر مالك الحزين والعصافير التي يعود نوعها إلى عصفور الهيبولايس الروسي، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الطيور المقيمة في المنطقة.
مرعي الحليان


