* في رواية «الغثيان» لجان بول سارتر ينظر البطل إلى يديه وأصابعه فجأة ليكتشف أنها غريبة وليست جميلة ولكنه يقر بأنها مصدر الإبداع في الكتابة والرسم والصناعة، لكن «ابن طفيل» قبل سارتر قال ان الحضارة أصابع عاقلة عندما نظر إلى يديه فجأة ثم نظر إليها مرة أخرى وراح يحرك أصابعه واكتشف إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع أن يحرك أصابعه وينشرها ويطويها ويصنع بها كل أدوات حياته.
رحلة الأصابع هي رحلة جزء من الجسد إلى كل مكان في اللامتناهي الحياتي. وللجسد في الدراسات المعاصرة حظوة كبيرة في التآليف الإنثروبولوجية والنفسية بوصفه «موطن الإنسان» بتعبير دافيد لوبروتون ومن هذا أخذ مخيالاً أدبياً وبحثياً في الكثير من البحوث الاجتماعية التي اهتمت بالجسد وتعاملت معه ككائن حي يرادف شخصية حامله على نحو ما كونه بناء اجتماعياً وثقافياً ونفسياً. ورحلة الجسد مع الإنسان طويلة يصعب تعقبها، وتفكيك الجسد هو الرحلة الأصعب في المنظور الأدبي والثقافي والتشريحي، ولو تأملنا وظائف عناصر الجسد لافترقت بنا الطرق والمسالك، وربما خرجنا عن الموضوع أساساً، لذلك فالإصبع على سبيل المثال تكون وظائفه حركية معروفة ومجموعة الأصابع لدى الإنسان تشكل يديه وقدميه بوظائفها اليومية المتعارف عليها.
ولو حصرنا هذه الوظائف بالوظيفة الثقافية فسنجد جماليات كثيرة تؤديها الأصابع في رحلة الحياة المتعاقبة؛ فالأصابع تكتب وتعزف وتنحت وترسم وتحنّط وتصنع وتبصم وتلوّح للجمال وتمسح الدموع، ولو أنشأنا مخيالاً آخر لها على طريقة الشعراء لوجدناها تمسك الرياح وتقطف الغيوم وتؤلّف سمفونيات الأفراح وتبكي وتحزن وتضحك وتمرح وتغني وتتجلى وتسمو وتطير وتتلاشى، فالأصابع في رحلة الجسد الطويلة هي «شخصية» فريدة من نوعها في تجليات الجسد المختلفة.
الأصابع القبيحة في رواية «الغثيان» لجان بول سارتر ينظر البطل إلى يديه وأصابعه فجأة ليكتشف أنها غريبة وليست جميلة ولكنه يقر بأنها مصدر الإبداع في الكتابة والرسم والصناعة، لكن «ابن طفيل» قبل سارتر قال ان الحضارة أصابع عاقلة عندما نظر إلى يديه فجأة ثم نظر إليها مرة أخرى وراح يحرك أصابعه واكتشف إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع أن يحرك أصابعه وينشرها ويطويها ويصنع بها كل أدوات حياته؛ أما الفيلسوف الألماني اشبنجلر فقال إن الإنسان هو الحيوان صانع أدوات حياته ومماته أيضا.
في حين قال جان كوكتو «دع اليد تذهب أينما تشاء» ولقاء الأصابع عند الأدباء والمفكرين هو بلاشك لقاء الإبداع والموهبة والجمال، لقاء التاريخ والأسطورة والحكاية الشعبية والتراث المحلي في أرقى استنتاجاته المعرفية في التماهي مع الخرافات والأساطير وما تركته شفاهية الشعوب من طقوس وحكايات وقدسية في تراثها اليومي.
وإذا كانت الأصابع حضارة عاقلة برأي ابن طفيل؛ وهو تعبير عالي الدقة؛ فإن الحضارات برمتها دونتها الأصابع وحفرتها على مر العصور والدهور وكتبتها على ظهور السلاحف وجلود الغزلان لتوصلها إلى عصور الحداثة بإمكانياتها المعرفية المتطورة والمتجددة، وإذا كان بطل سارتر في الغثيان يكتشف أن قبح أصابعه تنتج الإبداع تلو الإبداع فإنه ينبّه إلى حركية الأصابع في اتصالها العقلي مع الجسد بوصفه موطن الإنسان.
كما لو أنه يشير إلى أن الأصابع هي موطن الجسد إلى حد ما، بمعنى أنها كائن حي في داخل كائن حي، وهذه الكائنات المتلاصقة هي التي تكوّن الإنسان وترسم شخصيته الثقافية والمعرفية، ليكون الإنسان بعمومه مجموعة من الكائنات الحية تتراصف وتلتحم ببعضها وكلٌّ يؤدي أدواره ووظائفه على نحو جمالي لإنتاج
ثقافي خاص.. شعوب تقطع أصابعها
للشعوب مقدرتها في صنع الوهم وتحويله إلى حقيقة علينا أن نتقبلها لاحقاً وندرسها حتى لو لم نتوصل إلى نتائج مفيدة أو مُرضية. الشعوب عادة ما تصنع طقوسها من رؤيا أو حكمة أو خيال، وللأصابع مخيالٌ في ذاكرة الشعوب البدائية وحكمة وخرافة تقترب من الخيال الجامح، فشعوب غرب افريقيا تحتفظ بأصابع الأسلاف وتتوارثها جيلا بعد جيل داخل أكياس صغيرة تيمناً بالسلف الصالح وهذا يدعو إلى التساؤل: كيف تُحفظ أصابع الميت فترات وراثية طويلة دون أن تتعفن؟
وليس لنا شك أن مَن دوّن هذا المخيال لديه المعرفة أيضاً بأن تلك الشعوب لديها طرقها «الطبية» البدائية في الحفاظ على سلامة الأصابع ولديها ثقافة أولية في كيفية الوصول إلى المستقبل.
هذا يعني أن أصابع الأسلاف هي «عناوين» عريضة وواضحة لإكمال مشوار الحياة على طريقتهم، فالسلف هو إيقونة يجب أن تضاء عبر الأصابع «الميتة» لأنها كانت في زمن ما حية ولها دورها الذي تعرفه القبيلة وعلى الآخرين القادمين إلى الحياة أن يستكملوا دورها؛ لكن هناك قبائل عندما يموت أحد زعمائها تضحي بمئة إصبع على الأقل، وليس لنا تفسير مؤكد بهذا الصدد على اختيار الرقم 100 فهو رمز قبيلي ولا نعرف من ستُقتطع أصابعه من القبيلة هل من النساء أم من الرجال!
على أننا نجد امرأة قبائل الهوتنتوت تكتفي بقطع عقلة واحدة من إصبعها عند وفاة زوجها وهذا واضح في سياق الوفاء الاجتماعي للزوجة ولزوجها المتوفى؛ والعقلة هنا طرف الإصبع؛ لكننا لا نعرف قيمته الرمزية والمعنوية. ويلاحظ أن أغلب شعوب العالم تعتبر البنصر هو حامل وثيقة الرباط المقدس .
ويقيم العلاقات أو يهدم الأسر بمجرد خلع أو لبس خاتم الخطوبة وسر اختيار هذا الإصبع لتلك المهمة يرجع لاعتقاد قديم بأن البنصر وثيق الصلة بالقلب وأنه لو غُمس في السم قليلا فإن الجسم كله يتأثر بسرعة ومن هنا أصبح الإصبع المهم عند العشاق والمحبين. أما إصبع السبابة في اليد اليمنى فله مكانة عزيزة في نفوس المسلمين إذ يرفعونها خلال التشهد عند كل صلاة كرمز للإيمان وكلمة التوحيد.
أصابع المرأة وأصابع الرجل
أصابع المرأة رقيقة وناعمة ومغرية من وجهة نظر الرجل، فعلاقات الأصابع معروفة بين الجنسين في كهربائية الحب وديناميته، والشعور بالألفة بين الرجل والمرأة يبدأ من تشابك الأصابع، فهي إيذان البدء بالعلاقة الحميمة، ولا شك أن أصابع الرجل أكثر خشونة من أصابع المرأة وربما أكثر غلظة .
وهذا طبيعي نظراً لتركيبة الجسم عند النوعين، لكن بعض الباحثين ينبّهون إلى أن أطوال الأصابع عند الرجل والمرأة تعطي فكرة عن شخصيتيهما وقدرتيهما النفسية والمرضية، فقد وجد باحثون بريطانيون أن زيادة طول البنصر على السبابة تكشف عن إرادة قوية عند المرأة لفرض نفسها، كما أن صاحبات الخناصر الطويلة أقل عرضة من غيرهن للاضطرابات النفسية والعصبية.
وإن صاحبات الخناصر والسبابات المتساوية يعانين غالبا من مخاطر التشوش النفسي والتقلبات المزاجية، إذ غالباً ما يظهرن مخاوف أكبر من غيرهن عند ركوب المجازفات والمغامرات وقليلا ما يحاولن فرض أنفسهن على الآخرين، بينما تساوي البنصر مع السبابة في الطول يكشف عند النساء، على وجه الخصوص، عن قدرات كبيرة في الاتصال اللغوي والمجاملة.
أما في الرجال، فقد تبيّن أن طول إصبع الخنصر يكشف عن براعة رياضية واضحة وعن قدرات إنجاب عالية، إلا أن هذه الخصلة تعني أن هذا الرجل قليل المجاملة والرغبة في التعرف، في حين يكون الرجال الذين يتساوى لديهم إصبعا البنصر مع السبابة متفوقين في المخاطبة، لكنهم لا يتمتعون بحسّ جيد في المكان، ولا يمارسون الرياضة بحماس، وغالباً ما يكونون قد ولدوا بأوزان قليلة.
وأظهرت الدراسات أنه كلما كانت الأصابع طويلة دل ذلك على الرغبة في التفكير والتروي، بينما تعكس الأصابع القصيرة شخصية محبة للحركة والأشياء الملموسة والإنجازات الفورية، أما إذا كان أصبع البنصر أطول من السبابة فإنه يكشف عن حب صاحبته للمجازفة.
كما أظهرت نتائج دراسة أجراها العلماء في جامعة آلبيرتا، أن طول أصبع السبابة عند الرجل، مقارنة مع أصبع الخنصر، قد يساعد في الاستدلال على شخصيته وميوله العنيفة والعدائية.وقد تبين وجود ارتباط مباشر بين أطوال الأصابع وكمية هرمون التستسترون الذكري الذي تعرض له الجنين في الرحم، فكلما كان أصبع السبابة أقصر بالنسبة لأصبع الخنصر كانت كمية التستسترون في المرحلة الجنينية أعلى، وازدادت الميول العدائية للطفل ونزعاته للعنف في المستقبل.
الأصابع في الحلم
قيل أن أصابع اليد اليمنى هي الصلوات الخمس، والإبهام صلاة الفجر والسبابة صلاة الظهر والوسطى صلاة العصر والبنصر صلاة المغرب والخنصر صلاة العتمة وقصرها يدل على التقصير والكسل فيها، وطولها يدل على محافظته على الصلوات، وسقوط واحدة منها، يدل على تلك الصلاة.
ومن رأى إحدى الأصابع موضع الأخرى، فإنه يصلي تلك الصلاة في وقت الأخرى. وفرقعة الأصابع تدل على كلام قبيح فإن رأى الإمام زيادة في أصابعه، كان ذلك زيادة في طعمه وجوره وقلة وأصابع اليد اليسرى أولاد الأخ والأخت، والأظافر مقدرة الرجل في دنياه، وبيض الأظافر يدل على سرعة الحفظ والفهم، ورؤية الأظافر في مقدارها صلاح الدين والدنيا. والمعالجة بها دليل الاحتيال في جمع الدنيا، وطولها مع حسنها مال وكسوة، وخضاب أصابع المرأة بالحناء يدل على إحسان زوجها إليها.
حرارة الأصابع
كشف بحث علمي عن أن درجة حرارة الجلد في الأيدي والأصابع تزداد بسرعة قبل دقائق من موعد النوم أثناء تحضير الجسم نفسه للسبات وأوضح العلماء في جامعة فليندارز بجنوب أستراليا، أن حرارة الأصابع تزيد بحوالي ثلاث درجات مئوية عند الشعور بالنعاس والرغبة في النوم، مما يدل على وجود علاقة بين النوم وجهاز التنظيم الحراري في الجسم، حيث تنخفض حرارة الجسم الأساسية عند النوم بينما تبدأ الأطراف مثل الأصابع، بالسخونة نتيجة تشتت وتوزع الحرارة.
أصابع سونيكا
يقول الروائي سونيكا الحائز على جائزة نوبل: تتبعثر افريقيا التي أحبها وأكتب لها وأعيش من أجلها بين الأصابع الرخوة والأصابع الطويلة. بين الأصابع الرخوة والطويلة يصير وجه افريقيا متشققاً كأرضٍ غاب عنها المطر أو كأزهار امتص الجفاف نسغ أعوادها الغضة.
أطراف الأصابع
في العام 1856 اكتشف الانجليزي جين جنسن أن الخطوط الموجودة في أطراف الأصابع تختلف من إنسان إلى آخر، ولكن الناس ما كانوا يعلمون شيئا عن الخاصية المهمة. وبفضل معرفة اختلاف أطراف أصابع جميع الناس الذين عاشوا على مر التاريخ، تم التوصل إلى أن أطراف الأصابع بمثابة بطاقة إثبات للشخصية.
بعد ذلك شُرع في استخدام هذه المعلومة من قبل منظمات الشرطة في القبض على المجرمين أو تحديد هوية الموتى الذين يصعب التعرف عليهم.إن أطراف الأصابع بطاقة إثبات للشخصية لدرجة أنها تختلف حتى في توائم نفس البويضة. بطاقة إثبات الشخصية هذه لا تقبل التزييف مطلقا، فهي تضع توقيعنا بشكل لا يقبل التزييف على العديد من الأشياء التي نلمسها بأيدينا. ولا يستطيع أحد على الإطلاق تقليد هذا التوقيع.
بصمة الأصابع
كان الصينيون واليابانيون قد اتبعوا بصمة الأصابع منذ 3 آلاف سنة في ختم العقود والوثائق. وفي القرن التاسع عشر استخدم الإنجليز البصمات عندما كانوا في إقليم البنغال بالهند للتفرقة بين المساجين والعمال هناك. لأنهم اكتشفوا أن البصمات لا تتشابه من شخص لآخر ولا تورث حتى لدي التوائم المتشابهة لهذا أصبح علم البصمات واقعا في عالم الجريمة. والآن يكتشف تطابق بصمات الأصابع بوضعها فوق ماسح إلكتروني حساس للحرارة. فيقرأ التوقيع الحراري للإصبع.
ثم يقوم الماسح بصنع نموذج للبصمة ومضاهاتها بالبصمات المخزونة. وهناك ماسح آخر يصنع صورة للبصمة من خلال التقاط آلاف المجسات بتحسس الكهرباء المنبعثة من الأصابع. وكان يواجه الطب الشرعي مشكلة أخذ البصمات لأصابع الأموات حتى بعد دفنهم. لأنها ستكون جافة. لهذا تغمس في محلول جليسرين أو ماء مقطر أو حامض لاكتيك لتطري. ولو كانت أجهزة اليد مهشمة أو تالفة.. يكشط جلد الأصابع ويلصق فوق قفاز (جوانتي) طبي. ثم تؤخذ البصمة.
وارد بدر السالم


