مؤلف كتاب «البصائر والذخائر» هو أبو حيان التوحيدي ـ علي بن محمد بن العباس التوحيدي، وهو فيلسوف ومتصوف ومعتزلي، ولد في شيراز سنة 310 هجرية وتوفي سنة 414هـ في بغداد، ويعد كتابه هذا من الكتب الرائعة في تاريخنا الثقافي، فقد عالج فيه علاقة الإنسان بالله الذي أودع العقول، كما تأتي أهمية الكتاب من تعليقات أبي حيان على كثير من اختياراته وتقييماته الأدبية لكثير من رجالات عصره، وقد قسمه إلى تسعة أجزاء.

من الجزء الثاني: اللهم إنك الحق المبين والإله المعبود، والكريم المنان، والمحسن المتفضل، وناعش كل عاثر، ورانش كل عائل، بك أحيا، وبك أموت، وإليك أصير، وإياك أؤمل، وأسألك أن تحبب إليّ الخير وتستعملني به، وتكرّه على الشر وتصرفني عنه، بلطفك الخافي وصنعك الكافي، إنك على ما تشاء قدير.

1. وبعد: هذا الجزء الثاني من بصائر القدماء وسرائر الحكماء، ونوادر الملحاء، وخواطر البلغاء، وقد صار إليك الأول على اضطراب من تشتت أجناسه وفصوله، وليس يبعد منه الغرض المستفاد والأدب المقتبس، إذا صحّت النية، وصدقت الشهوة وتمت الإرادة وساعدت القريحة، واستجابت النفس وكان تقدير الله من وراء اللطف بك، وتدبيره أمام الصنع لك وتوفيقه مشتملاً عليك، وإحسانه متتابعاً إليك فكد أيدك الله عز وجل الذي بيده ينقاد الصعب، ويذل الشرس وينجلي المظلم، وينفتح المبهم، ويؤاتى الممتنع، ويعود البعيد قريباً، والقريب سهلاً، والسهل حاضراً، والحاضر هنياً.

واجتهد في طلب العلم، واقتباس الأدب، وتحصيل الحكمة اجتهاد من لا يرى لكونه فائدة إلا بها، ولا يعرف لحياته عائدة إلا منها، ولا لعقله، مرجوعاً إلا معها، وصن نفسك بامتنانها في مطانها، وأبل العذر منها غير تارك ممكناً، ولا مهمل مستطاعاً وخذ بزمامها إلى البصرة، وأشعرها حلاوة الحكمة، وألبسها جلباب المعرفة، وزينها بأنوار العصمة.

وبصّرها مواقع اليقين، وروّحها بمواد السكون، وشوّقها، إلى مقعد الصدق، وأطربها بأغاني الملكوت، وأجلها في رياض القدس، وناغمها بأسرار الحق فإنها أن أجابتك ـ أعني نفسك ـ أفقت من سكرة الدنيا، وربحت الآخرة والأولى، وشهدت غيباً لا عبارة عنه، وأصبحت نعيماً لا ممّنى فوقه، وأعلم أنك وعاء ملئ سراً، وظرف قد حشي نوراً وجرم أسكن حكمة، وبحر أُودع دراً، وإنما ينبغي لك أن تعرف منك ما هو فيك، بترتيب العقل الموهوب لك، وتنبئ عنه بتفصيل اللسان الخطيب عنك، فلا تأس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تثق بالعلم ما دامت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منها، فإنك أن وهبت للعمل ككل أقعدك، وأكلك، وإن منحت للعلم كلك حيرك وأضلك، وآفة العمل تعلقه بالرياء، وآفة العلم تعلقه بالكبرياء، والخير بين طرفيها مرتفع. وبعد... فهل هناك أجمل من هذا الكلام، الله يا توحيدي ما أعظمك؟!.

m_alfahed@yahoo.com