إذا كانت الكونفوشيوسية هي الفكر الأكثر تجذرا في الصين منذ القديم وحتى اليوم، فإنها تشهد في الفترة الأخيرة نوعا من «النهوض» الذي تعبّر عنه صفة «الجديدة» في الكتاب الذي يحمل عنوان «الكونفوشيوسية الجديدة في الصين» لمؤلفه الفيلسوف والأستاذ الجامعي «دانييل بيل».

ويجد المؤلف تبرير صفة «الجديدة» على الكونفوشيوسية الصينية في واقع أن فيلسوف الصين العظيم و«حكيمها» الذي استرشد فيه الصينيون على مدى قرون طويلة كان قد أصبح أحد الأهداف الأساسية لما سُمي بـ«الثورة الثقافية» في عهد ماو تسي تونغ والتي كان «محو تراث كونفوشيوس» من بين مهماتها. ذلك على أساس أنه يمثل فكر «الثورة المضادة».

لكن «القمع» الذي تعرّض له حكيم الصين في بلاده لم يجعل مكانته تتراجع في الوسط المحيط بالصين. لقد بقي موضع احترام وتبجيل، بل وما يقارب «التقديس» في هونغ كونغ واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان «الصين الوطنية سابقا»، أي في مختلف البلدان التي للكونفوشيوسية تواجدا كبيرا فيها منذ القدم.

ومن هذه المناطق المحيطة انطلقت مجموعة من الحركات التي جعلت من الأفكار الكونفوشيوسية المحرّك الأساسي لإرساء أسس ما اتفق على تسميته بـ«القيم الآسيوية» التي تسم بعدد من الخصوصيات، وذلك في أفق محدد هو المساهمة في تطوير المجتمعات المعنية بها. كانت تلك الحركات قد انطلقت عمليا منذ مطلع عقد التسعينات الماضي، ومع زوال الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين، غربي رأسمالي، وشرقي اشتراكي.

نقطة انطلاق «النهضة» الجديدة في الفكر الكونفوشيوسي بدأت من المحيط إذن، لكن سرعان ما أدرك المركز الأساسي لهذا الفكر المتمثل في الصين ضخامة الرهان، ومدى الكسب الذي يمكن أن تحققه من هذا الاستنهاض الفكري الجديد الذي يؤكد على مقولة التراتبية، أي ما يعني احترام السلطة القائمة. ومثل هذا الاحترام موجود في عمق التعاليم الكونفوشيوسية.

ومن الأمثلة البارزة التي يذكرها دانييل بيل للتدليل على عودة الكونفوشيوسية «المتجددة» إلى الصين، لجوء السلطات الشيوعية نفسها إلى إعادة طبع «تعاليم كونفوشيوس» و«قانونه» بملايين النسخ وتوزيعها على نطاق واسع. وكذلك بروز ظاهرة جديدة تمثلت في افتتاح عدد كبير من «الأكاديميات الكونفوشيوسية» في مختلف أنحاء البلاد مع تخصيص آلاف المنح الدراسية واستحداث مناصب تدريسية عديدة.

ويؤكد دانييل بيل في تحليلاته على الدور الهام الذي لعبه كتاب صغير الحجم صدر في الصين قبل سنوات لأستاذة جامعية صينية تقوم بالتدريس في حقل الإعلام اسمها «يو ران» وأصبحت ذات شهرة كبيرة في عموم الصين. لقد قامت فيه بنوع من «تبسيط» أفكار «الحكيم» وشرحها بغية إيصالها إلى أوسع الشرائح. وقد بيع من هذا الكتاب عشرات الملايين من النسخ.

إن ما فعلته هذه الأستاذة كان نوعا من «إعطاء رواية ورؤية غير سياسية» لأفكار كونفوشيوس، كما يقول دانييل بيل. ويضيف: «إنها شرحت كيف ينبغي على المرء التصرّف في مواجهة الضغوط الصادرة من المجتمعات الحديثة. وخاصة في التأكيد أنه لا ينبغي أبدا الاهتمام كثيرا بالمكاسب والمباهج الخارجية مثل مكانة المال، ذلك أن ما يهم حقيقة هو الموقف الداخلي».

وكانت مثل هذه الظاهرة قد بدأت في المدارس الخاصة لكنها دخلت شيئا فشيئا إلى المدارس الحكومية العامة. بل لجأ بعض مدراء المؤسسات والمسؤولون عنها إلى دفع العاملين لديهم إلى «قراءة النصوص الكلاسيكية وقراءة أطفالهم لها أيضا» ونفس الدور تقوم فيه أيضا جمعيات أهلية أو جمعيات أطلقت على نفسها صفات لها علاقة بـ«الكونفوشيوسية».

وكتاب يؤكد فيه مؤلفه أنه مع التأكيد على أفكار كونفوشيوس تتم في الصين مناقشة أفكار تتعلق بالحرية والديمقراطية والعدالة وعالم الانترنت. وكل ما يتعلق بـ«السياسة والحياة اليومية في مجتمع هو في حالة تبدل»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

المؤلف في سطور

دانييل بيل هو أستاذ للفلسفة في جامعة تشينغوا ببكين منذ عام 2004. جعل من الكونفوشيوسية موضع اهتمامه الفلسفي الأول. وهو أحد أهم المختصين الغربيين، المُعترف بهم في فكر كونفوشيوس وتعليماته. عمل في سنغافورة والولايات المتحدة وهونغ كونغ والصين في سلك التدريس. من مؤلفاته: «فيما هو أبعد من الديمقراطية الليبرالية» و«الكونفوشيوسية والنظام العام» و«نزعة الانتماء الطائفي وأشكال نقدها»، الخ.

ندوة عام 2005

شهدت الصين في عام 2005 انعقاد ندوة عالمية كبيرة كانت هي الأولى من نوعها في البلاد منذ فترة طويلة حول فكر كونفوشيوس وتعاليمه شارك فيها عدد ضخم من المختصّين من مختلف أنحاء العالم. وكانت المناسبة بالتحديد هي الذكرى 2555 لولادة حكيم الصين الأكبر، كونفوشيوس.

الكتاب: الكونفوشيوسية الجديدة في الصين

تأليف: دانييل بيل

الناشر: جامعة برنستون - 2008

الصفحات: 258 من القطع المتوسط

China’s new confuciunism

Daniel A. Bell

Princeton University Press- 2008

258 pp.