كان التمييز العنصري في أميركا بين البيض والسود... وتطوّر كي يشمل الآن مختلف «الأقليات» الاثنية واللغوية والعقائدية
»العنصرية في أميركا الحديثة» أو«في أميركا ما بعد العرقية» هو كتاب جماعي لشارل غالاغير وآخرين عن«النظريات والتوجهات الجديدة» الخاصة بظاهرة العنصرية في الولايات المتحدة بمختلف مظاهرها وتبدياتها، كما يشير عنوانه الفرعي. ويستعرض المشرف على هذا الكتاب في مقدّمته نوعا من التأريخ الموجز لظاهرة العنصرية «المخبوءة في نسيج المجتمع» والتي تتمثل عمليا في مجموعة من الأحكام المسبقة ذات الخلفية العنصرية والمموّهة غالبا أو ربما التي يتم تقديمها بـ«حلّة عقلانية» كي يكون قبول المجتمع لها أكثر سهولة.
وفي الولايات المتحدة الأميركية تتبدّى مثل هذه الظاهرة حيال ما يتم التعبير عنه عامة في مساهمات هذا الكتاب بـ«الأقليّات» وعلى رأسها السود وذوو الأصول الاسبانية القادمون من المكسيك وبلدان أميركا اللاتينية الأخرى وذوو الأصول الآسيوية والمسلمون الاميركيون وغيرهم من الأقليات. هؤلاء جميعا يعانون، بدرجة أو بأخرى، من التمييز العنصري. لكن يبقى السود هم الضحايا«التاريخيين» لذلك بسبب«تاريخ الاستعباد» الذي ارتبط مع المسار الأميركي منذ فترة تجارة العبيد قبل قرون.
جينفر لي، الأستاذة في جامعة أرفين، بكاليفورنيا، تتعرّض في مساهمتها لمعالجة موضوع:«إعادة اختراع التمييز العنصري: الهجرة والانتماء العرقي والنزاع الاثني الجديد في أميركا». وتدل التحليلات المقدّمة أن الهجرة«غير البيضاء» القادمة من بلدان أميركا اللاتينية الجنوبية، وخاصة المكسيك.
ومن آسيا، وتعاظم ظاهرة الزواج المختلط بين العروق والاثنيات، أمور أدّت إلى تزايد كبير في نسبة الأميركيين ذوي الأصول المتعددة. مثل هذه الزيادة غيّرت إلى حد كبير من معطيات«الخارطة الديموغرافية» للمجتمع الأميركي مما أدى إلى أن«التمييز العنصري بين البيض والسود غدا وكأنه ينتمي إلى عصر آخر في أميركا».
هكذا عرفت ظاهرة العنصرية تطورا جوهريا في«أمركا الحديثة»، وذلك باتجاهات جديدة يتم جمعها بثنائية «البيض وغير البيض». لكن بالتوازي مع هذا يتزايد إحساس«المهاجرين» من بلدان أميركا اللاتينية وآسيا وغيرها من مناطق العالم بانتمائهم إلى«أصولهم» التي تميّزهم عن الآخرين.
هؤلاء المهاجرون تتزايد أعدادهم كما تدل الأرقام المقدّمة المأخوذة من الإحصاء الرسمي الذي عرفته الولايات المتحدة قبل سنوات. هذا الواقع الجديد يمكن أن يؤدي إلى عودة ظهور«التمايز العنصري» من جديد بين البيض والسود، إنه«الشقاق التاريخي الأبيض-الأسود»، كما نقرأ.
وتدرس ايلين اوبريان، الأستاذة في جامعة نيوبورت«الروابط الممكنة بين الهوية الاثنية وانسجام الشباب، الذين قدم أحدهم من أميركا اللاتينية ويتحدثون اللغة الاسبانية، مع هويتهم الأصلية». وبالاعتماد على مجموعة من المعطيات المأخوذة من تحقيقات حول مسألة الانتماء لدى المراهقين أجرتها هيئات مختصة على الصعيد الأميركي كله تصل الكاتبة إلى اعتبار أن تحديد الشباب المعنيين لهويتهم على أساس انتماءاتهم«الأصلية» يختلف من وسط اجتماعي إلى آخر.
لكن يبقى الإحساس بالانتماء إلى العرق والثقافة له دور مهم في تكوين شخصية المعنيين، خاصة عندما يتعرّضون للتمييز العنصري في حياتهم اليومية وبميادين مختلفة ليس أقلها الدراسة ومستوى الرعاية الصحية.
وتقدّم ناديا كيم، الأستاذة في جامعة«ليولا» في مساهمتها«مجموعة من الأفكار النقدية حول تمثـّل الأميركيين ذوي الأصول الآسيوية» في المجتمع والأدب الأميركي«الأبيض».
وبعد الإشارة إلى أن الآسيويين والأميركيين اللاتينيين يمثـّلون السواد الأعظم من المهاجرين اليوم إلى الولايات المتحدة تبيّن أن حضورهم المتزايد يجعل التراتبية بين البيض والسود أكثر تعقيدا. ولا تتردد في القول أن ذوي الأصول الآسيوية يشكّلون اليوم أحد ضحايا التمييز العنصري الرئيسيين.
المثال الذي تتعرّض له بشكل خاص يكمن في الكوريين، حيث تقوم بمقارنة بين أوضاعهم في بلادهم الأصلية وأوضاعهم في إطار«التراتبيات العنصرية» بالولايات المتحدة الأميركية.
ويتم التأكيد أن«طبيعة» الآسيويين وثقافتهم ومعتقداتهم في بعض الأحيان، تلعب كلها دورا في علاقتهم مع الأميركيين، البيض أو السود، كما مع«الأقليات» الأخرى. وتتم الإشارة أيضا إلى أن العولمة «المعاصرة» لا تتضمّن تدفق رؤوس الأموال فقط ولكن أيضا الثقافات والأفكار والقيم. هكذا«انتقلت الأفكار حول موضوع أشكال التمييز العنصري الأميركي عبر المحيطات إلى جانب السلع الأميركية».
كانت تلك هي بعض«عينات» المساهمات التي يحتويها هذا الكتاب، إلى جانب مساهمات أخرى مثل«من هو الأميركي الإسباني»؟ لأنتوني دانييل بيريس الأستاذ في جامعة واشنطن و»البورجوازية السوداء الوليدة» لكريس دوماريه، الأستاذ في جامعة كارولينا الشمالية و»التعددية العنصرية وهل ستبقى حتى الجيل القادم»؟ لجينيفر براتير من جامعة«ريتز» ومفارقة لون البشرة والنظام العنصري الأميركي» لجينيفر هوشيلو من جامعة هارفارد، الخ.
المساهمون في سطور
المساهمون في هذا الكتاب الجماعي هم مجموعة من الأساتذة الجامعيين بإشراف شارل غالاغير، الأستاذ الجامعي والأخصائي في دراسة ظاهرة العنصرية في الولايات المتحدة حيث قدّم في عام 2003 كتابا غدا مرجعا في ميدانه تحت عنوان:«لعب ورقة الاثنيات البيضاء: استخدام الهوية الاثنية من أجل رفض العنصرية المعاصرة»، ومن المساهمين أيضا انتوني دانييل بيريس، الأستاذ في جامعة واشنطن، وجينفر براتر، الأستاذة في جامعة نيوبورت، وناتاليا سركيسيان من جامعة بوسطن. وعدد آخر من الأساتذة الجامعيين المهتمين بدراسة العنصرية في أميركا.
22 مساهمة
تعالج مساهمات هذا الكتاب التي يبلغ عددها 22 مساهمة ظاهرة العنصرية كما تبدّت في التحليلات والأفكار الجديدة مع استقراء توجهات البحث المستقبلية في ميادين علم الاجتماع، والعلوم السياسية والدراسات الخاصة بالانتماء الاثني وتلك الخاصة بالحركات النسائية. كذلك تتم محاولة الإلمام بظاهرة العنصرية بمجمل تداخلاتها وتشابكاتها في المجتمع الأميركي الحديث.
الكتاب : العنصرية في أميركا الحديثة
تأليف: شارل غالاغير وآخرون
الناشر: سوسيال فورسز - نيويورك- 2008
الصفحات: 368 صفحة من القطع المتوسط
Racism in post-race America
Charles Gallagher and…
Social Forces Publishing – New York- 2008
368 pp.

