لم يكن من قبيل الصدفة أن توصف رواية المؤلف الكندي لورنس هيل الرابعة الصادرة مؤخراً بعنوانين هما «كتاب الزنوج» في معظم أرجاء العالم و«أحدهم يعرف أسمي» في الولايات المتحدة ونيوزيلندا واستراليا، بأنها رواية مذهلة، ملهمة، وتنكأ الجراح القديمة.
تغطي هذه الرواية الملحمية حياة أميناتا دياللو التي ولدت في بايو بمالي في عام 1745، ويستهل الروائي مسيرتها في عام 1802 عندما يتم استقطاب أميناتا في لندن لمساندة دعاة إلغاء العبودية من السياسيين البريطانيين، وهو ما يشكل مناسبة لبدء تأملها لمسيرة حياتها. تعرضت أميناتا للاختطاف وهي في الحادية عشرة من عمرها على يد تجار العبيد البريطانيين، ويقدر لها أن تنجو من المهالك خلال عبور الطريق الأوسط على متن إحدى سفن العبيد إلى ساحل جنوب كارولينا، حيث تلتقي مجدداً بتشيكورا، وهو فتى من قرية مجاورة لقريتها، وتتداخل قصتاهما مع قصص ملاكها، وعلى رأسهم روبنسون أبلباي الذي يعمل بإنتاج النيلة ثم سولومون ليندو مفتش الضرائب اليهودي.
وخلال حياة النضال الطويلة التي تعيشها أميناتا تبذل قصارى جهدها للانعتاق من العبودية ولتحرير الآخرين من ربقتها، وتتمكن في غمارذلك من تعلم القراءة والكتابة والعمل قابلة وتعليم الآخرين هذه المهارات أيضاً.
ويعالج لورنس هيل إيقاع الرواية وتوتر أحداثها باقتدار وخاصة خلال بدايات الثورة الأميركية، عندما يعد البريطانيون السود الذين يقاتلون في صفوف قوات الإمبراطورية بالحرية، حيث تسرد علينا أميناتا أحداث رحيل هؤلاء السود الموالين إلى نوفا سكوشيا حيث يتعرضون للخيانة ومن ثم إلى سيراليون.
و«كتاب الزنوج» الأصلي هو سجل تاريخ يضم أسماء وأوصاف ثلاثة آلاف زنجي من السود الموالين للإمبراطورية، أمر الضباط البحريون البريطانيون بإعداده لتسجيل الزنوج الراحلين إلى نوفا سكوشيا في عام 1783. وقد أصر البريطانيون على أن من أدرجوا في هذا السجل هم وحدهم الذين يمكنهم الرحيل من نيويورك إلى نوفا سكوشيا، ومن ثم إلى الحرية. ولأن أميناتا تجيد القراءة والكتابة فإنها تتحول إلى أحد المساهمين في إعداد هذا السجل، الذي تدرج نفسها فيه، باعتبارها من الراحلين إلى الحرية تحت آفاق كندا.
وتلفت نظرنا المفارقة المذهلة المتمثلة في صدور الكتاب بعنوانين مختلفين في المستعمرات البريطانية السابقة، فبينما صدر الكتاب بعنوان «كتاب الزنوج» في كندا يوضح لنا لورنس هيل أن الناشر الأميركي قد أحس بالانزعاج حيال هذا العنوان وعدل عنه لأن كلمة «الزنوج» على حسب تعبيره «لن تحلق ولن يسمح لها بالتحليق عالياً في المكتبات الأميركية».
وهكذا فقد صدر الكتاب تحت عنوان «أحدهم يعرف اسمي» في كل من الولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا. وعلى الرغم من الاشادات العديدة التي قوبل بها صدور هذه الرواية الملحمية المدهشة، إلا أن القارئ لا يمكن إلا أن يتوقف عند عدد من العيوب البارزة التي تعيبها من أكثر من جانب.
أبرز هذه العيوب أن الرواية تصبح أقل اقناعاً بصورة متزايدة في تلك المراحل التي تنطلق فيها بطلتها إلى كندا وتعود إلى إفريقيا وتقطع الشوط إلى قريتها، حيث تنتهي الأحداث بإخفاق مؤامرة اختطاف جديدة على طريقة روايات الجاسوسية والمغامرات التي تتخذ من العباءة والخنجر شعاراً لها.
بالمقابل لابد من التسليم بأن النصف الأول من الرواية يعد انجازاً متميزاً حقاً، وعلى الرغم من أن المصداقية تتعثر، إلا أن الكتابة نفسها لا تعرف إلى التعثر سبيلاً، حيث تظل عملية نحت شخصية اميناتا متوهجة بالحياة والحياة والحيوية والتألق، حتى وإن بدت لنا في بعض المقاطع شخصية ذات بعدين فحسب.
وقد يقول قائل إنه على الرغم من ذلك كله فإن اميناتا لا تطور، باعتبارها شخصية، بصورة حقيقية، فهي تظل شخصيته مخلصة وصادقة ومحبوبة تماماً كأي بطلة تنتمي إلى روايات القرن التاسع عشر المفعمة بالعواطف والانفعالات.
ولعل من عيوب الرواية التي يتوقف عندها القارئ طويلاً غياب الواقعية في معالجة المؤلف لما تصاب به أميناتا على الصعيد العضوي في غمار المحن الرهيبة التي تمر بها، حتى ليعتقد المرء أن المؤلف قد فتن بشخصيتها إلى حد الحرص على أن تكون معاناتها على المستوى العاطفي والانفعالي في المقام الأول.
وهي توصف دوماً بأنها باهرة الحسن، حتى ليتساءل المرء: ما العيب في أن تكون البطلة عاطلة في هذا المجال؟ وهي لا تتعرض للعنف البدني في غمار رحلتها المذهلة، ويكتفي المؤلف بالقول إنها تعرضت ذات مرة للاغتصاب من قبل أحد أصحاب المزارع الأميركيين والذي لم يعاود اغتصابها بعد ذلك قط على نحو يستعصي على التفسير، كما أنه ضربها مرة واحدة، وهذا هو كل نطاق العنف البدني الذي تعرضت له أميناتا في أميركا. غير أن هذه العيوب كلها، وهناك الكثير يمكن رصده من هذه النوعية، لا ينبغي أن تحجب عنا الحقيقة الأساسية المتعلقة بهذه الرواية.
إنها رواية تنطلق من حادثة غير معروفة إلا في نطاق أكاديمي ضيق في التاريخ الكندي - الأميركي، لتتحول إلى ملحمة مذهلة، قادرة على استقطاب القارئ وجعله ينسى أنه يعكف على قراءة رواية، بينما هو في واقع الأمر يقرأ إحدى أفضل الروايات التي صدرت في الغرب مؤخراً.
وهناك بعد مهم في هذه الرواية يتعلق بالبطلة لابد لنا من التوقف عنده طويلاً، فالبطلة أمينات دياللو تعيش حياة قوامها الحزن الذي يفطر القلب، وهي رغم تعرضها للاختطاف وسقوطها تحت نير العبودية تحب رجلاً واحداً وتنجب طفلين منه، ويتعرض الطفلان للانتزاع بوحشية من أحضانها، وعندما تغادر أميركا إلى نوفا سكوشيا ثم سيراليون تظل خاضعة لنير الفقر والعوز والجوع والعمل الشاق الذي لا ينتهي ويسعى أنصار إلغاء العبودية في لندن إلى استخدام قصتها لخدمة قضيتهم، ولكنها تصر بمزيد من الكبرياء والإرادة الصارمة على أن قصتها، شأن اسمها، تنتمي إليها وحدها، وهي وحدها أيضاً التي يمكنها أن تروي هذه القصة.
وهي بهذا المعنى قد عاشت لتروي قصتها، ربما لأن هذا هو المبرر الحقيقي لحياتها.
وبهذا المعنى أيضاً فإن هذه الرواية تستمد قيمتها من أن مؤلفها يعيد طرح الحقائق الرهيبة المتعلقة بالعبودية حتى لكأنها تكشف لنا للمرة الأولى، وينكأ الجراح، ليكشف النقاب عن الصديد الذي يؤثر البعض أن يسدل عليه قناع اللون الأحمر الوردي الذي تحذرنا منه أميناتا وتدعونا في مواجهته إلى العض على الحرية بالنواجذ.
الكتاب: كتاب الزنوج
تأليف: لورنس هيل
الناشر: هاربر كولينز، لندن، 2009
الصفحات: 496 صفحة
القطع: المتوسط
The Book of Negroes
Lawrence Hill
Harper Collins، London، 2009
P.496

