«بين الخوف من حدوث شيء ما والأمل في ألاّ يحدث، مسافة فاصلة أكبر مما نتصور. وفي تلك المسافة الضيقة المظلمة القاسية والعارية يمضي معظمنا حياته»، مقولة للروائي وكاتب القصة القصيرة والشاعر اليوغسلافي إيفو أندريتش الذي حاز جائزة نوبل للآداب عام 1961، لرصده تاريخ وصراعات بلاد البلقان بنزعة إنسانية تدعو إلى نبذ الحروب والخلافات والعيش بسلام.

امتدت الحياة الأدبية لأندريتش الذي ولد في 9 أكتوبر عام 1892 في قرية دولاك في بوسنيا لمدة ستين عاما، حيث اشتهر قبل الحرب العالمية الثانية بكتابة القصة القصيرة التي تدور أحداثها في موطنه بوسنيا، وكروائي بعدها من خلال نشره لثلاث روايات في عام 1945 وهي، «جسر على نهر درينا» و«تاريخ بوسني» و«امرأة من سراييفو». عاش مرحلة طفولته خلال الاحتلال النمساوي الهنغاري لبلده، ودرس في سراييفو، ونشر أول قصيدة له حينما كان في التاسعة عشر من عمره. انضم في شبابه إلى ثورة الطلاب الوطنية التي شاركت في بعض الأعمال الإرهابية، ومع مقتل الأرشيدوك فرانسيس فرديناند النمساوي عام 1914، تم القبض عليه وأودع في السجن لمدة ثلاث سنوات قضاها في قراءة أعمال فيودور دوستويفسكي والفيلسوف الاسكندينافي سورين كيركيغارد. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أكمل دراسته باللغة السلافية في بلده حيث أعلن أنه أصبح صربيا على الرغم من أصوله البوسنيه، وحصل بعد ذلك على درجة الدكتوراه من فيينا عام 1924 في تاريخ الثقافة البوسنية.

وكان قد شارك بعد عام من إطلاق سراحه في تأسيس صحيفة نشر فيها مجموعة من قصائده، إلى جانب ترجمته لعدد من الأعمال الأدبية. وفي عام 1920 تحول إلى النثر ومن ثم القصة القصيرة التي وجد نفسه فيها، وعمل لمدة 20 عاما كسفير لبلده وانتقل بين العديد من البلدان الأوروبية.

ونشر خلال الحقبة الأولى من عمله مجموعة محدودة من القصص القصيرة منها «باحة الشيطان». ومع احتلال النازية ليوغسلافيا عام 1941، عاد أندريتش إلى بلده وأمضى سنوات الحرب في بيته تحت الإقامة الجبرية. وفي عزلته هذه كتب أهم أعماله الأدبية المذكورة أعلاه التي نشرها عام 1945. ومع انتهاء الحرب عاد إلى كتابة بعض القصص القصيرة ومقالات عن كتاب ورسامين وروايتين قصيرتين.

وعلى صعيد السياسة كان من المؤيدين والمتحمسين للرئيس تيتو ودعوته لوحدة الصربيين والكرواتيين والسلوفيين والبوسنيين. وقد أمضى بقية حياته في وطنه وتبرع بقيمة جائزة نوبل لبناء مكتبات في بوسنيا.

وسرعان ما تدهورت حالته الصحية بعد انسحابه من الحياة الاجتماعية إثر وفاة زوجته عام 1968، لتوافيه المنية في 13 مارس عام 1975 في بلغراد.

وتغطي ملحمته «جسر على نهر درينا» التي تدور أحداثها في فيسريغارد وهي بلدة صغيرة تقع شمال سراييفو في بوسنيا على الحدود مع صربيا، ثلاثة قرون ونصف من الزمن، لتبدأ الرواية في منتصف القرن السادس عشر عندما كانت بلدان البلقان تحت احتلال الإمبراطورية العثمانية، ولتنتهي مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914.

ويتناول في هذا العمل الصراعات التاريخية التي مرت على المنطقة وتأثير الاحتلال التركي ومن ثم النمساوي، مع رصد لصراعات الأديان والوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتحولات منظومة تفكير الناس وقيمهم مع مضي الزمن من خلال جسر الذي ربط الماضي بالحاضر، ووصل بين الصربيين والبوسنيين، والذي شهد على مر العصور خلافاتهم العرقية والوطنية والدينية.

وبطل تلك الملحمة التي تضم مجموعة من القصص المنفصلة التي تمتد بزمن تصاعدي، هو جسر الحجري بأقواسه الإحدى عشر التي تبدأ الرواية بسرد قصة بنائه التي تأخذ الأجزاء الثلاثة الأولى من العمل، لتحكي قصة كبير الوزراء العثماني والقائد المقدام محمد باشا سوكولو الذي اختطف في طفولته من قبل «جندرمه» الأتراك حينما كان في العاشرة من عمره، أسوة ببقية الأطفال الذين كان يتم اختطافهم وإرسالهم إلى استانبول للعمل إما كعبيد في قصورهم أو جنود وكتبة إن بدا عليهم الذكاء، وعليه استخدم في السرد الضمير الغائب بحيادية تامة.وكانت فكرة بناء جسر من قبل كبير الوزراء الذي أرسلته الإمبراطورية العثمانية لحكم تلك البلدة، بدافع انتمائه الغامض على ذاكرته لوصل طفولته في بوسنيا بمرحلة حياته الجديدة.

وهكذا أعلن قرار بناء جسر فوق نهر درينا، كهدية منه إلى سكان البلدة. وتغطي مجموعة القصص الأولى مرحلة بنائه الذي اكتمل عام 1571، لتدور أحداثها بجوار جسر وعليه. ومن الشخصيات البارزة في القصص شخصية اليهودجا، آخر الباقين على قيد الحياة من العائلة المسلمة التي كانت تحت حماية الوزير، والبابا نيكولا القس الأورثودوكسي الذي كان يرعى العائلات اليونانية في فيسريغارد. وكان مثل اليهودجا، شجاعا لا يخشى مواجهة جنود القوات النمساوية التي بدأت تغزو البلدة عام 1878.

وكذلك شخصية لوتي اليهودية مالكة الفندق الذي شيد في موقع استراحة المسافرين سابقا، وهي أرملة جميلة تعمل بجهد وناجحة في عملها، وترسل بصورة دورية ما تجنيه من أرباح إلى عائلتها المشتتة في بلدان مختلفة. ومع مضي الأيام والسنين يتداعى بناء الفندق ولا تملك لوتي المال الكافي لترميمه، وعندما لا تجد أي دعم من الأسرة التي رعتها طيلة سنوات والتي بددت المال أو أساءت استثماره، تسكنها المرارة والأسى في المرحلة المتقدمة من عمرها.

ومع مرور الزمن تتغير محاور القصص لتصل إلى المرحلة الأخيرة قبل الحرب، حيث تختلف اهتمامات الناس ليبقى جسر مركزا للتجمعات والحوارات، إما بين العاملين أو الطلبة العائدين إلى بلدتهم خلال إجازة الصيف ليناقشوا بإسهاب مفهوم الحرية واسترجاعها من المهيمنين، مثل الحوار الفكري الذي احتدم بين شابين مثقفين حيث يكشف النقاش عن فكر الطلبة خلال فترة التقدم التقني والسلام النسبي الذي ساد العالم لفترة وجيزة، حيث أتيح للمثقفين الانصراف بحرية إلى اللعب بالأفكار وفلسفتها بعيدا عن حقيقة الواقع المعاش، ولتنتهي الرواية بمقتل الأرشيدوك فرديناند على يد الوطنيين الصرب في القصة الأخيرة.

الكتاب: جسر على درينا

تأليف: إيفو أندريتش

الناشر: مطبعة جامعة شيكاغو الولايات المتحدة1977

الصفحات: 314 صفحة

رشا المالح