يتفق الباحثون الاجتماعيون في فرنسا على القول أن الأجيال الشابة تعيش بمستوى أقل من المستوى الذي كان يعيشه آباؤهم. وبهذا المعنى تعاني الأجيال الجديدة من الأزمة الاجتماعية التي تعرفها البلدان الغربية الاستهلاكية عامة. وكتاب «تدنّي المرتبة الاجتماعية» لمؤلفه الباحث الاجتماعي والأستاذ الجامعي الفرنسي كامي بونيي يعالج هذه المسألة بالتحديد.
ما تقوله الإحصائيات كلها هو أن سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عرفت في فرنسا درجة أقل على صعيد المستوى الاجتماعي بالنسبة للشباب قياسا مع جيل آبائهم. وهناك ظاهرة يتم الحديث عنها باستمرار هو أنه في العاصمة الفرنسية باريس على سبيل المثال، يغادر الأبناء الأحياء التي عاشوا فيها مع آبائهم باتجاه الضواحي أو المدن البعيدة بسبب عدم قدرتهم على تأمين السكن ومستلزمات الحياة في الأحياء التي وُلدوا وترعرعوا فيها.
الحقائق الإحصائية تدل بوضوح على وجود مثل هذه الظاهرة، لكن هذا لا يمنع واقع أنها ليست معروفة بشكل جيد على اعتبار أنها ظاهرة اجتماعية. ويشير المؤلف إلى أن الأجيال المولودة خلال عقد الستينات من القرن الماضي تواجه اليوم الآثار المستمرة للأزمة الاقتصادية، الأمر الذي تظهر آثاره على مستوى حياتهم الاجتماعية بينما كان قد تحسّن كثيرا مستواهم التعليمي.
وخلال التباين بين المستوى التعليمي المرتفع وبين «الحركية الاجتماعية» التي تعاني من التدهور تولّد إحساسا بالحرمان. وما تؤكده شروحات كامي بونيي هو أن جيلا كاملا، وحتى لو كان يحمل الكثير من المؤهلات والشهادات العليا مهدد بـ «تردّي مكانته الاجتماعية» وتسكنه فكرة أنه سيعيش بمستوى أقل من مستوى آبائه. وتأتي الأزمة الاقتصادية كي تزيد الأمر تعقيدا. ثم إن الجيل الشاب يعيش أصلا في مستوى أدنى على الصعيد الاقتصادي وينبغي عليه أن يندمج في سوق العمل «المنكمش».
بالمقابل كان جيل آبائهم قد استفاد من فترة الازدهار التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والمعروفة باسم «الثلاثينات المجيدة». جيل الآباء ذاك عاش في مستوى أفضل من الجيل الذي سبق ولم يعرف ظاهرة البطالة.
هذا على عكس الجيل الحالي الذي ينتقل معظم أبنائه في الغرب بين مجموعة من الأعمال «الصغيرة» أو البطالة قبل الظفر بعمل ثابت في سن يقارب الثلاثين.
ويرى كامي بونيي أن أبناء الجيل المولودين في أواسط عقد الأربعينات من القرن الماضي كانوا قد عرفوا أفضل الفترات من حيث «الحركية الاجتماعية». لكن تدهورت الأمور فيما بعد وأصاب التدهور مختلف الفئات الاجتماعية وخاصة الأكثر تواضعا.
وسنوات العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين شهدت هي الأخرى ظاهرة البطالة «الجزئية» حتى بالنسبة لأبناء الكوادر. ولم توفّر البطالة شريحة الشباب الحاملين لمؤهلات علمية كبرى.
كذلك تؤكد التحليلات المقدّمة على وجود «هوّة» بين تحسّن المستوى العلمي ولكن تضاؤل فرص العمل. ومثل هذا التناقض لابد وأن تكون له آثاره على «اللحمة الاجتماعية». وبالتوازي مع هذا لم تعد العلاقة بين الشهادة العلمية المحصّلة والمنبت الاجتماعي مؤطّرة بدقة، ذلك أن شرائح جديدة، وعمّالية أحيانا أو من أصول مهاجرة، دخلت في جميع مجالات التأهيل والتعليم.مع ذلك إذا كانت أبواب المدارس قد أصبحت مفتوحة أمام الجميع فإن الشهادة نفسها فقدت من قيمتها الحاسمة في الحصول على فرص العمل.
بهذا المعنى غدا الدخول إلى هذه الكليّة الجامعية أو تلك بمثابة إعطاء نوع من «الأمل الخادع» بالنسبة للحصول مستقبلا على فرص عمل مؤكّدة. لكن دلّت التجربة أن تبنّي سياسات ترمي إلى جعل الانتساب إلى الجامعات أكثر صعوبة كان له آثاره السيئة على أبناء الطبقات الشعبية بالدرجة الأولى.
ومن المؤشرات التي يقدّمها كامي بونيي للتدليل على خلل النظام التعليمي في بلد مثل فرنسا هناك واقع وجود نسبة تقل عن 1 بالمائة من أبناء العمال في المدارس الكبرى المكرّسة حصريا لأبناء الأسر الميسورة.
ثم إن كل طالب في هذه المدارس «الكبرى» يتطلّب من الدولة أعباء مالية تعادل ضعف ما تنفقه على الطالب في الجامعات العادية. هذا يعني أن النظام التعليمي لا يعمل بالتناغم مع سوق العمل بالإضافة إلى تعميقه للشرخ الاجتماعي.
لكن بالتوازي مع هذا يتبنّون «خطابا حادا» ضد العاطلين عن العمل أو ضد الذين يتقاضون مساعدات اجتماعية من الدولة الذين يعتبرون أنهم «يسرقون» من مكاسب جهودهم. ويمكن تلخيص الشعار الذي يرفعونه بالقول: «نعم للدولة الحامية ولكن من أجل الذين يعملون فقط». من هذا المنظور يرى المؤلف أن «تدنّي المرتبة الاجتماعية» لبعض الشرائح صبّت في تعزيز معسكر اليمين المتطرف الذي يرفع شعارات مناهضة للعمال المهاجرين عامة.
ويصل كامي بونيي في نهاية تحليلاته إلى القول أن هناك شريحة كبيرة من الشباب في المجتمعات الغربية عامة، وفي المجتمع الفرنسي خاصة، قاموا بدراسات عليا ولكنهم لا يستطيعون المحافظة على «الوضع الاجتماعي» الذي عرفه آباؤهم ذوو المستوى العلمي الأدنى.
وفي الختام يؤكد المؤلف أن الأزمة المالية العالمية لن تسهّل من شروط حياة أجيال الشباب اليوم.
الكتاب : تدنّي المرتبة الاجتماعية
تأليف: كامي بونيي
الناشر: غراسيه باريس 2009
الصفحات:173 صفحة
القطع: المتوسط
Le déclassement
Camille Peugny
Grasset - Paris 2009
173.p
