حرص موقع سي.بي سي. الإلكتروني الكندي على إجراء هذه المقابلة مع الروائي الكندي لورنس هيل في ضوء الاهتمام الكبير الذي حظيت به ملحمته الروائية الهائلة التي نشرت بعنوان «كتاب الزنوج» على امتداد العالم بينما صدرت في الولايات المتحدة ونيوزيلندا تحت عنوان «أحدهم يعرف اسمي»، حيث ألقى الضوء على العالم الإبداعي الذي نبعت منه هذه الرواية التاريخية ونضال السود في أميركا الشمالية للتحرر من العبوديةوفيما يلي نص الحوار:
عنوان هذه الرواية مستمد من السجل التاريخي الأصلي الذي يحمل الاسم نفسه والذي يعد اسماً عميقاً واستفزازياً لرواية. متى قررت اطلاقه على روايتك؟
فكرت أولاً في جعل عنوان الرواية «هجرات»، ولكنه بدأ أكاديمياً ومضجراً إلى حد بعيد، ثم تعمقت في «كتاب الزنوج» الأصلي ولم أقرر فحسب جعل أميناتا تدرج اسمها فيه، وإنما أيضاً تشارك في تدوينه باعتبارها كاتبة تعمل لدى البريطانيين في مانهاتن. وهكذا فإن استخدام هذا الاسم كعنوان للرواية بدأ يبدو لي الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به.
تدور هذه الرواية بطرق عديدة حول الحكي، حيث تتساءل أميناتا: «أي هدف يمكن أن يكون لهذه الحياة التي عشتها إذا لم استطع انتهاز هذه الفرصة لسردها؟». وهناك العديد من المشاهد في الكتاب التي يهتف الأسرى الأفارقة فيها بأسمائهم أحدهم للآخر ويتحدثون بتاريخهم. ويبدو أن سرد القصة قد يكون فعل المقاومة المطلق.
بالتأكيد، فتجار العبيد يمكنهم أن يفعلوا بك ما يريدون، ولكن إذا كان بمقدورك على الأقل أن تهتف باسمك وأن تجعل شخصاً آخر يناديك به، فإن ذلك يبدو أكثر الأمور إرضاء بالنسبة لأولئك الأسرى البؤساء التعساء القابعين في باطن سفن العبيد. وجعل شخص آخر يناديك باسمك يشبه القول: «إنني أقر بإنسانيتك» بينما أنت واقع في فخ عملية تجردك من إنسانيتك تماماً. وقد تأثرت كثيراً فيما كنت أحاول تخيل هذه المشاهد، التي يتوق فيها الناس إلى حد اليأس لنطق أسمائهم وسرد قصصهم.
أتصور أنه في غمار القيام بالأبحاث الضرورية لكتاب كهذا فإن التفاصيل اليومية الصغيرة لما يأكله الناس أو كيف يتحدثون هي الأكثر إثارة للاهتمام. هل كان الأمر كذلك بالنسبة لك؟
نعم، كان الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو قراءة الصور المكتوبة بضمير المتكلم التي أنجزها سود وأوروبيون كانوا على قيد الحياة في ذلك الوقت، وقد قرأت كل اليوميات التي أمكنني العثور عليها والتي تنتمي إلى تلك المرحلة. وهناك كتاب على وجه الخصوص صدر في عام 1789 من تأليف أولادا إكيوانو، وقد كان إفريقياً تعرض للاختطاف في طفولته، شأن أميناتا، ونقل إلى أميركا ونال حريته بعد فترة طويلة، وقد جعله هذا الكتاب شهيراً في لندن عندما أصدره، وقد كتب عن رؤية نفسه في الجو البارد للمرة الأولى واعتقد أن فمه يحترق، وقد كانت هذه جزئية فاتنة قمت باستعارتها واستخدامها في روايتي.
وقد جاءت جزئية أخرى مثيرة للاهتمام على نحو يستعصى على التصديق من أنا ماريا فالكونبردج التي ساعد زوجها في تأسيس فريتاون في سيراليون باعتباره من أنصار إلغاء العبودية، فهي تذهب إلى ما كان يطلق عليه اسم «مصنع العبيد» حيث يحتجز الناس قبالة ساحل إفريقيا إلى أن يتم إرسالهم بعيداً عن متن السفن. وهي تصف ما يبدو الأمر عليه لدى رؤية الرجال والنساء وقد صفدوا بالأغلال في حفرة طينية في العراء تحت لهيب الشمس ودفق المطر كأنهم حشد من الخنازير في زريبة هائلة.
وقد صدمت لأنها كانت امرأة بيضاء مميزة من لندن، ولا يفترض بها أن ترى هذه الأمور، أو تعلم شيئاً عنها. وقد كانت هذه النوعية من القصص هي التي ساعدت حقاً في تأليف الرواية، وليست المواد الأكاديمية، وكانت هذه هي المادة التي كشفت لي عما كانوا يرتدونه وعن المشاعر التي كانوا يحسون بها وأين كانت ندوب جراحهم، وكيف كانوا يرغمون على السير وكيف كانوا يصفدون بالأغلال معاً.
أميناتا شخصية نسائية بالغة القوة والتأثير. هل كان من الحتمي أن تكون هناك شخصية نسائية في قلب هذه الرواية؟
كان من المحتم أن تكون امرأة، وأنا أعتقد أن المرء يرصد الرواية بتتبع الشخص المعرض للخسارة فيها أكثر من غيره، ولأسباب درامية، فإن هذه المرأة بحاجة للإمساك بالصغار بحكم عملها قابلة، ولابد لها من أن تفقد صغارها كامرأة وكأم. وهناك الكثير من المفارقة والحزن في ذلك. ولم يكن هناك سبيل إلا أن تكون هذه الرواية رواية امرأة وقد شعرت بهذا بقوة في قرارة نفسي.
كان هناك مؤخراً استعداد أكبر للإقرار باساءات من نوعية المدارس السكنية للسكان الأصليين والضريبة المفروضة على رؤوس الصينيين في غمار مناقشة التاريخ الكندي. ولكنه لايزال يبدو أن هناك تردداً في معالجة تورط كندا في تجارة العبيد. فما السر في ذلك؟
اعتقد أننا نحن الكنديين لدينا ذلك الاحتياج الفطري والانفعالي للتفكير في أنفسنا باعتبارنا أسمى أخلاقياً من الأميركيين الذين اقترفوا كل تلك الأمور الوحشية في الجنوب في إطار العبودية.
وغالباً ما لا نعرف نحن الذين نفكر على هذه الشاكلة أن العبودية قد وجدت بين ظهرانينا، وهناك قدر كبير من المقاومة للنظر إلى امتلاء تاريخنا وزخمه الكبير. ونحن في الغالب ننظر إليه بطريقة تعكس حرصنا على أن نهنئ أنفسنا على ما تضمنه ذلك التاريخ، فنحن لدينا نزعة التعددية الثقافية، ونحن أمة متسامحة ويحرص جميعنا على أن نرعى بعضنا البعض بمزيد من العناية والاهتمام. وأنا أحب كندا، وقد اخترت الحياة على أرضها، وأنا فخور بذلك، ولكنني لا أعتقد أنه مما يخدمنا أو يفيدنا أن نكسو تاريخنا بغطاء بعيد عن الدقة والوضوح والشفافية.
وأنا لست معنياً بأن أوجه أصبع الاتهام إلى أحد كما أنني لست حريصاً على توجيه اللوم إلى هذا الفريق أو إلى تلك الجماعة، وكل ما هنالك أنني أردت صياغة هذا التاريخ في قالب درامي ودفعه إلى الواجهة ليكون تحت أنظارنا وموضع اهتمامنا جميعاً، لكي نفهمه حق الفهم ونقدره على النحو الصحيح.
ولا ينبغي أن نكتفي بالتشديد على أننا كنا مرفأ أمان للعبيد على امتداد الطريق السري إلى الحرية المشهور في تاريخنا، ولكننا أيضاً مارسنا العبودية في كندا بدورنا، تماماً كما فعل الأميركيون، حتى وإن اختلفت الأطر والقنوات وأشكال العمل. ينبغي أن نعرف أننا قد جلبنا هؤلاء السود الموالين للإمبراطورية البريطانية إلى نوفا سكوشيا ثم خناهم وطعناهم في الظهر على نحو فظيع، وعاملناهم بأسوأ طريقة ممكنة، وهذا ليس تاريخ السود فحسب، وإنما هو تاريخ كندا أيضاً.
منى مدكور
