يتوقف سمير فريد في كتابه الجديد «أدباء العالم والسينما» أمام واحد من عناصر تشكيل الفيلم، وهو موضوعه، وذلك من خلال النظر إلى دور وتوظيف «الرواية» في إنتاج سينما متميزة. ولم يتوقف أمام الرواية فقط، بل والى «المسرحية» أيضا، وكيف تم توظيف بعضها في الإنتاج السينمائي؟ مثلما لم يتوقف أمام الرواية أو المسرحية العربية فقط.. بل إلى المنتج العالمي منها. وهو السبب المباشر لأن جعل عنوان الكتاب «أدباء العالم والسينما».

وقد نبه د.جابر عصفور في تقديمه للكتاب إلى فكرة جوهرية في هذا التناول السينمائي للأعمال الإبداعية.. ألا وهى أن الفيلم المأخوذ عن رواية أو مسرحية، يلتقط فكرة واحدة أساسية، يقيم عليها أحداثه ومحاور انتقالاته من مشهد إلى آخر. على العكس من «الرواية والمسرحية» التي غالبا ما تتعدد فيها المحاور والأفكار، وهو أهم الفروق الفنية بين جنس «الرواية» الأدبي، والسيناريو المأخوذ عنها، أي تحويلها إلى مجموعة من اللقطات والمشاهد، في حدود زمن (هو زمن عرض الفيلم، الذي لا يتجاوز الساعتين في أغلب الأفلام السينمائية).وضح من مجمل الاختيارات، أن هناك ثلاثة أنواع من العلاقات بين السينما والأدب. وهى:النوع الأول: الفيلم الذي يصنع عن عمل أدبي لترجمة هذا العمل إلى لغة السينما، ويرجع ذلك إلى محاولة الحفاظ على تفاصيل ومضامين الرواية الأصلية. وهو ما تلاحظ في أفلام المدرسة الروسية (الاتحاد السوفسيتى القديم).

مثال ذلك فيلم «الحرب والسلام» عن رواية بالعنوان نفسه لتولستوي. كما تلاحظ إصرار المخرج على التمسك بالنص الروائي، أن عرض لصفحات الرواية أثناء مشاهدة اللقطات، وكأنه يريد التأكيد على فكرة، التمسك بالنص الأصلي تفصيلا.

النوع الثاني: وهو النوع الشائع في السينما التجارية، حيث يتعمد المخرج اختيار عمل روائي أو أدبي ناجح، ثم يتناوله ببساطة تصل إلى حد الإساءة للعمل الأدبي، وربما للمخرج أيضا.

وقد أورد «سمير فريد» نموذجا لتلك الأفلام، بمجمل أفلام المخرج المصري الراحل «حسام الدين مصطفى» والذي عالج الكثير من أعمال الروائي الروسي «دستوفسكى». ففي فيلم «الجريمة والعقاب» (مثلا) عن الرواية المسماة بالاسم نفسه، جعل من أهم شخصيات الرواية المعقدة والعميقة والمسمى «راسكولينكوف»، أن جعله مجنونا، وطوال الفيلم يردد جملة «ليس على المجنون حرج لا في الواقع ولا إزاء القانون».

النوع الثالث: وهو الفيلم الذي يتعامل صانعه مع الأصل الأدبي كمصدر للفكرة الجوهرية، وبث أفكار أخرى لم يطرحها الروائي أو المسرحي في العمل الأصلي. فيبدو الفيلم السينمائي كرؤية خاصة موازية ومضافة إلى رؤية المبدع الأدبي. ليبقى العمل الأدبي محتفظا بخصوصيته، والفيلم له خصوصيته أيضا.

هناك بعض الآراء التي ترى أن الأخذ بوسيلة توظيف العمل الابداعى الروائي والمسرحي في إنتاج فيلم سينمائي ، يضر بالعمل الأدبي، حيث يتوقف البعض عن قراءة العمل الأصلي المكتوب، مكتفيا بالفيلم. والحقيقة هذا الرأي ينطبق على البعض، لكن الحقيقة والملاحظ أن قارئ الأدب لا يتنازل عن قراءة العمل الأدبي بعد رؤية الفيلم.

وما يقال حول المخرجين والفنيين، يقال على المدارس السينمائية المختلفة، نظرا لغلبة السينما الأميركية وبعض الأوروبية على المشاهد العربي. بينما هناك الفيلم المكسيكي الجيد، والأسباني المتميز، والياباني ثم الايطالي الذي يعد مدرسة في فنون السينما المختلفة.

في وقفة سريعة مع أعمال الكاتب الروسي دستوفسكى (1821-1881) وهو يعد من أهم المبدعين العالميين وليس الروس فقط. ولعله من أكثر الروائيين الذين أنتجت أعمالهم سينمائيا. رواية «الجريمة والعقاب» التي كتبها عام 1866م، هي أكثر رواياته إعدادا في السينما.. عن طالب يضطره فقره إلى القتل ويدفعه الندم وذكاء المحقق إلى أن يسلم نفسه إلى الشرطة. ويتضح من المعالجات السينمائية اهتمام البعض بشخصية المحقق مرة أو بشخصية الطالب مرة أخرى، وذلك حسب رؤية المخرج.

يذكر أن تلك الرواية أنتجت أثناء فترة السينما الصامتة قديما، ثم في العديد من الأفلام والبلدان في السينما الناطقة، وبعد أن عرفت السينما الملونة، سواء في روسيا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وفى مصر أيضا. للكاتب نفسه، أنتجت روايات «الأخوة كارامازوف»، «بيت الموتى»، «الليالي البيضاء»، «الأبله»، «المقامر»، «كروتكايا»، ورواية «البديل».

يعد الكتاب من أهم الكتب في مجال الثقافة السينمائية للقارئ العربي، إلا أن الكاتب حرص على جمع مقالات نشرت له من قبل، ولم يصبر قليلا كي يجعل من الكتاب وحدة بحثية أكثر عمقا وتحليلا ودراسة، للكشف عما هو خفي من أسباب ومبررات اختيار عمل أدبي دون آخر، وجوهر أسباب التناولات المختلفة للعمل الأدبي الواحد، وغيرها من الرؤى المختلفة

الكتاب: أدباء العالم والسينما

تأليف : سمير فريد

تقديم: د.جابر عصفور

الناشر: هيئة الكتاب المصرية سلسلة الفنون 2008م

الصفحات: 265 صفحة

القطع : الكبير

السيد نجم