يظل موضوع الأمن القومي العربي ذا أهمية كبيرة في ظل ما تواجهه الدول العربية من قضايا قطرية وقومية تحدد مستقبلها، ويتفق الكثير من الخبراء على أن الدول العربية في مفترق طرق، وعليها أن تقوم بوضع سياسات تدعم أمنها القومي، ورفعة شعوبها.

وفي هذا السياق، صدر كتاب «الأمن القومي العربي» في طبعته الأولى للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، أحد المفكرين العرب، ومن ذوي الخبرة الواسعة والعميقة في الشؤون العربية، لذلك يعتبر الكتاب نتاج خبرة علمية وعملية على مستويات عدة بما يجعله مخطوطًا تطبيقيًا ذا أهمية بالغة في فهم الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بالوطن العربي.في مقدمة الكتاب يتحدث المؤلف عن الأمن القومي العربي، وتوازن القوى الدولية، فيقول: على الرغم من حداثة الدراسات في موضوع الأمن فإن مفاهيم الأمن أصبحت محددة وواضحة في فكر وعقل القيادات السياسية والفكرية في الكثير من الدول، ومن المدارس الفكرية المعاصرة التي تطرقت لمفهوم الأمن مدرسة وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر فمن وجهة نظره فإن الأمن يعني «أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء»، وكتب روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي الأسبق في كتابه «جوهر الأمن»، حيث قال «إن الأمن يعني التطور والتنمية سواء منها الاقتصادية أم الاجتماعية أم السياسية في ظل حماية مضمونة».

أما الدكتور زكريا حسين - المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية بمصر، فيرى أن صياغة الأمن تتم على ضوء أربع ركائز أساسية، وهي: إدراك التهديدات سواء الخارجية منها، أم الداخلية، رسم استراتيجية لتنمية قوى الدولة والحاجة إلى الانطلاق المؤمن لها، توفير القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية ببناء القوة المسلحة القادرة على التصدي والمواجهة لهذه التهديدات، وأخيرًا إعداد سيناريوهات واتخاذ إجراءات لمواجهة التهديدات التي تتناسب معها وتتصاعد تدريجيًا سواء خارجيًا أم داخليًا.

يتطرق المؤلف إلى مفهوم الأمن القومي الجماعي الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية، وهو الذي نشأت في مناخه (الأحلاف) العسكرية آنذاك، ومنها: حلف «الريو»، وهو معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأميركية، وهو أقوى حلف عسكري تلا مرحلة الحرب العالمية الثانية، وحلف شمال الأطلسى، وحلف جنوب شرق آسيا (حلف مانيلا)، وتعود فكرة إنشاء هذا الحلف إلى العام 1949، وبدايات بروز الصين كقطب آسيوي قوي واعد، وهناك أيضاً حلف المعاهدة المركزية (حلف بغداد سابقًا)، ويعود تاريخ تأسيسه إلى العام 1955 عندما وقعت تركيا والعراق ميثاقًا للدفاع المشترك، وأخيرًا حلف (وارسو)، وهو حلف عسكري تداعت لإنشائه الدول الاشتراكية ككيان إقليمي موازٍ لحلف شمال الأطلسي، وذلك في مايو 1955.

ينتقل المؤلف إلى اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون المشترك بين دول الجامعة العربية، فيشير إلى الخلفية التاريخية للحلف العربي، بأن فكرة الضمان الجماعي العربي ضد العدوان أو التهديد تجد أصولها في ميثاق جامعة الدول العربية الذي وقع في الثاني والعشرين من مارس 1945، حيث جاء في المادة السادسة من هذا الميثاق:« إنه إذا وقع اعتداء من دولة على دولة من أعضاء الجامعة، أو خشي وقوعه، فللدولة المعتدي عليها أو المهددة بالاعتداء أن تطلب دعوة المجلس (مجلس الجامعة) للانعقاد فورًا. ويقرر المجلس التدابير اللازمة لدفع هذا الاعتداء».

ومن أجهزة الحلف العسكري، يذكر المؤلف أن اتفاقية الدفاع المشترك أنشأت ثلاث هيئات عسكرية للوقوف على تنفيذ بنودها المتعلقة بقمع العدوان المحتمل على أي دولة عضو، وهذه الهيئات هي: اللجنة العسكرية الدائمة التي تأتي في أدنى درجات البنيان الهرمي للتنظيم العسكري العربي، وهي تتألف من ممثلي هيئة أركان حرب جيوش الدولة المتعاقدة، وذلك لتنظيم خطط الدفاع المشترك وتهيئة وسائله وأساليبه، وهناك الهيئة الاستشارية العسكرية، والتي تضم رؤساء أركان حرب جيوش الدولة المتعاقدة للإشراف على اللجنة العسكرية الدائمة ولتوجيهها في جميع اختصاصاتها.

أما مجلس الدفاع المشترك فهو يمثل قمة الهرم التنظيمي العسكري في الحلف العربي، وهو يتكون من وزراء الخارجية والدفاع في الدول المتعاقدة، أو من ينوب عنهم، وآخر هذه الأجهزة الأمانة العسكرية التي أنشئت في سبتمبر 1953 ويرأسها الأمين العام العسكري المساعد لجامعة الدول العربية الذي يتم تعيينه طبقًا للبند الثالث من لائحة مجلس الدفاع المشترك.

يشير المؤلف إلى الأمن القومي العربي والجوار الإقليمي، فيذكر أن بعض أجزاء الوطن العربي تقع في القارة الآسيوية، والبعض الآخر يقع في القارة الإفريقية، وهذا التقسيم أوجد اختلالاً في البنية الجغرافية والبشرية والاقتصادية؛ حيث تشكل مساحة الجزء الإفريقي من الوطن العربي نسبة 73% من المساحة الإجمالية له، بينما تشكل القوة البشرية لهذا الجزء 70% من القوة البشرية العربية.

ولا يخفى لأي محلل سياسي أو استراتيجي مغزى ذلك من وجهة النظر السياسية والعسكرية حيث يصبح الجزء الآسيوي بحكم المعطيات الواردة أعلاه أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، ومثار اهتمام القوى الإقليمية والدولية.

خدمة: دار الإعلام العربية

الكتاب: الأمن القومي العربي

الكاتب: د.مصطفى عثمان إسماعيل

الناشر: مكتبة مدبولي القاهرة 2009

الصفحات: 175 صفحة

القطع: الكبير