بلمسة واحدة من الفرشاة يحدد الفنان اللبناني وهيب بتديني مساحات الظل والنور في لوحاته المتشبعة بمهرجان لوني، يثير في النفس البهجة، ويفتح بوابات الظل والنور التي لا حدود لتدرجها، وهذا ما يذكرنا بالأسلوب الانطباعي بلا تردد.
ما بين التكوين والألوان عكس بتديني الكثير من المشاهد اليومية التي تمثل في أغلب الأحيان حياة الكادحين من بائع العرقسوس، إلى الحطاب، والمزارع، وبائع الماء، وما إلى ذلك من مشاهد تمثل حياة جزء كبير من الناس في المجتمعات، مما يدل أن الفنان شأنه شأن الكاتب، أو الشاعر، قادر على رصد الواقع الاجتماعي مع اختلاف الأدوات الإبداعية لكل منهم. ويبقى هنا التفرد في أسلوب طرح الموضوع، وطريقة تناوله رسماً، أو الكتابة عنه في حال كان التعبير بالأسلوب الأدبي. قال بتديني عن طريقته في تكوين اللوحة: «أفكر دائماً وأبداً، أبحث ليل نهار في اختزال للخطوط والألوان، تفتيشاً عن الجمالية التي ترضي عشاق الفن والتراث، وألامس الحجر برهافة الأحاسيس وبقساوة الحجر، لأسلب جماله المختبئ في باطنه، وأحاكيه بمحاكاة الحبيب والصديق، لكنني لم أنطقه بعد».
إنه بتديني الباحث عن الجمال بين انحناءات الأشجار والجبال، وتعرجات الأنهار، مسرعاً في تجميد اللحظة التي تدل على أن الوقت ظهيرة، مشبعاً بالضوء، أو يتوارى الضوء، خجولاً، مما يدل أنه وقت الغروب، كل هذا يؤثر على حركة فرشاته في منح الظل والنور بألوان سميكة، تترك تأثيرها على سطح قماشته.وبحث عن الناس بين الحارات القديمة، مما منح تلك الحارات الحياة، فالأماكن تنتعش بأهلها. رصد أزيائهم، أعراسهم، وجلسات السمر التي تجاور أبواب البيوت وجدران المنازل. كل هذا الرصد دفع الراحل كمال جنبلاط ليقول عنه: «الفن المتدرج نحو صيرورة أكمل، وتقنية مزج الألوان، وإظهارها والواقعية المعبرة عن صميم الحركة، في الحياة، والرمز إلى ما يتقدم كل ذلك أحياناً ـ كلها تبرز ـ غير منتقاة، ولم يستقر إليها بعد ذهن المصور، في هذه اللوحة المعرض، التي يصف الفنان الشاب المناضل، وهيب بتديني، ما تختلج به النفس، فهو في النهاية ابن الشوف العميق بالتراث، والمفعمين بمساقط الحكمة والتقاء ينابيعها في النفوس عبر التاريخ.
إنها تجربة فنية متفردة بدأت بشكل عملي منذ حصل الفنان على ماجستير في الرسم والتصوير الجداري، من معهد سوريكوف الرسمي في موسكو في العام 1966 ليعمل من بعدها أستاذاً ورئيس قسم في الجامعة اللبنانية ويحصل على جائزة المفكر اللبناني سعيد عقل مرتين في العام 1970 و2003 مما جعل عقل يقول عنه: من هذا الفن بقي فيهم كوضوح جبلنا الشامخ، مصور يعرف أن يرسم شجاع على الشدة، وعلى الصمود.
تعرف جمهور أبوظبي على أعمال بتديني الفنية، من خلال معرض نظمته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في المجمع الثقافي في أبوظبي خلال شهر فبراير الماضي، وما بين معرض وآخر يقدم بتديني آخر ما توصل إليه من رؤية فنية.فالتجدد سمة من سمات عمل الفنان، حتى وإن كانت اللوحة مجرد لحظة مجمدة في زمن عابر، يحفظ لها قيمتها على مر التاريخ.
عبير يونس


