فن

«الواقعية السحرية» فن يجمع بين الغموض والدهشة

صورة

جمع فن الواقعية السحرية بين جماليات الإبصار وبعد الاستبصار، ليعيد صياغة الواقع المرئي الملموس عبر التركيز على خفاياه المستعصية وجوهره المستتر، والتغلب عليه بأبعاد الخيال والتخيل المترجم عبر عناصر وتقنيات وتلاعب في الإضاءة والأبعاد، مع الاستلهام من الأحلام والأسطورة والأديان.

أتى هذا الجموح أو الجنوح إلى الخيال، كردة فعل على فن الحركة التعبيرية التي استهلكت واستنزفت نفسها إلى أقصى مدى، وقدم رؤيا جديدة للواقع تعكس البعد الخفي للحياة اليومية الذي يدرك بالحدس وحده، والمصور بمنظور تشكيلي زمني غير مألوف لعناصر واقعية. ولينزل الواقعية أيضا من برجها العاجي المرهون برفعة القوم ونخبة مواضيعهم.بدأ تيار الواقعية السحرية في ألمانيا في مدينة ميونخ تحديدا، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 ؟ 1918) وهزيمة ألمانيا، حيث نشأ لدى الشعب شعور بخيبة الأمل والغضب وحالة من عدم الاستقرار نتيجة الركود الاقتصادي. كان لتلك المشاعر المكثفة واستنزاف تجارب التعبيريين التي هيمنت على الفن في شمال أوروبا لمدة عقدين، وكذلك جنوح الفن الحداثي نحو التجريد، دافعا قويا للتعبير عن ظرف ووضع جديد بأدوات تترجم الكثافة الداخلية غير المرئية ولا عقلانية الواقع التي تسبب بها السياسيون والبرجوازيون.

المؤسسون

تجلت هذ الحركة الفنية، من خلال المعرض الأول في مانهايم في ألمانيا، والذي نظمه مجموعة من الفنانين عام 1925، حيث شارك فيه 32 فنانا بما يزيد عن 130 عملا فنيا. وأول من أطلق اسم «الواقعية السحرية» على هذا الفن هو الصحفي والناقد الفني الألماني فرانك روه وذلك بعد زيارته للمعرض. وهكذا حل هذا التيار محل الحركة التعبيرية وكان الفن الأكثر ازدهارا في ألمانيا في مرحلة ما بين الحربين العالميتين.

ومن المؤسسين الأوائل لهذا الفن في ألمانيا، كل من ماكس بيكمان وكونراد فيليكمولر وجورج غروسز وأوتو ديكس وكريستيان شاد.

وعندما هيمنت النازية على السلطة، أعلنت أن معظم المدارس والتيارات الفنية فن مبتذل، وبلا تردد جمعت أهم الأعمال واللوحات لتحرق في ساحة عامة، مع طرد أساتذة الفن من مناصبهم، وبتشريدهم انتقلت الحركة الفنية إلى أوروبا في حقبة الثلاثينات، إلا أن تطورها أعيق مع نشوب الحرب العالمية الثانية، حيث فقد عدد كبير من اللوحات تحت قصف القنابل.

في أوروبا

وصلت الواقعية السحرية إلى قمة ازدهارها في أوروبا في المرحلة ما بين الثلاثينات والأربعينات، وعلى الأخص في هولندا نظرا لاهتمام كبار الفنانين فيها بالتواصل مع زملائهم الأوروبيين سواء على الصعيد الفني والفكري. ومن أشهرهم كاريل ويلينك وبيك كوش. أما في بريطانيا وإيطاليا فقد ظهرت مبادرات فردية لم تستمر طويلا، في حين طغى في فرنسا فن السريالية على بقية الفنون. وقد تأسست السريالية في أوائل العشرينات من قبل الفنان الفرنسي أندريه بريتون (1896 ؟ 1966)، ووصلت إلى أوجها مع الفنان الاسباني سلفادور دالي (1904 ؟ 1989).

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939 ؟ 1945)، هاجر العديد من الفنانين إلى أميركا، حيث ازدهر فن الواقعية السحرية هناك، وطغى على الفنون الأخرى التي كانت تهيمن على الساحة الفنية، من الفن التجريدي إلى السريالية.

هجرة الحركة إلى الولايات المتحدة

لم يكن الفنانون الأميركان في بداية العشرينات معزولين عن تطورات الحركة الفنية في أوروبا، ومعظمهم مكث في أوروبا لزمن معين سواء للدراسة أو للإطلاع على تجارب الفنانين. وقد ساهمت هجرة بعض الفنانين إلى أميركا خلال الحرب العالمية الثانية في بلورة أسلوبهم الفني.

ومن ضمن هؤلاء الفنانين إدوارد هوبر (1882 ؟ 1967)، الذي اعتبر من أهم الفنانين المتأثرين والمؤثرين بفن الواقعية السحرية في أميركا وإن تميز بأسلوبه المتفرد فيها، فقد برع في التعبير عن الوحدة التي عاشها المجتمع في مرحلة الركود الاقتصادي الكبير الذي واجهته بلده بصورة مؤثرة جدا، كما رسم مشاهد بذات الروح للمدن والأرياف، معتمدا على ظلال قوية وتضارب في الإضاءة مما أوحى بالأثيرية. وبالإضافة إلى هوبر برز كل من شارلز شيلر، وغرانت وود (1928 ؟ 1942) الذي تأثر برواد الفن الفلمنكي والألماني والذي ترك رصيدا كبيرا من الأعمال الفنية في إطار هذا الفن.

وفي عام 1942 حقق المعرض الذي نظمه متحف الفن الحديث في نيويورك لفن الواقعية السحرية نجاحا كبيرا، وشارك فيه ما يقارب من 26 فنانا شابا بالإضافة كل من إدوارد هوبر وشارلز شيلز. ومن خلال المعرض برزت أسماء لامعة تعتبر من مؤسسي هذا التيار في أميركا والذين كان لهم تأثيرا كبيرا على الفنانين الشبان في الأجيال التي تلتهم. وعلى الرغم من نشاط هذا التيار الفني إلا أن الفن التجريدي استقطب أضواء الإعلام على مدى سنوات، وقد ساعد نمو هذا التيار في الظل في الحفاظ على أصالة ومصداقية هذا الفن.

ومن أشهر الفنانين في المرحلة التالية كل من، بول كادموس وجورج توكر وإيفان ألبرايت وفيليب إيفرغود، والفنان الكندي أليكس كولفيتل الذي صور من خلال لوحاته بلدته على مدى سنوات. كما نشطت الحركة على يد ثلاثة فنانين - جمعت بينهم صداقة عمر- شكلوا مجموعة فيما بينهم عام 1940، ومنهم أندرو ويث حيث تميز بقدرته على إبراز قوة المشاعر والحنين والعزلة في الشخوص التي رسمها.

وفي أميركا اللاتينية برز الفنان الأرجنتيني أنطونيو بيرني في الثلاثينات وحتى الخمسينات، والمكسيكي باس فيود، والفنان الكولومبي العالمي الشهير والمعاصر فيرناندو بوتيرو الذي درس الفن في اسبانيا وإيطاليا. وتظهر أعماله في مرحلته الفنية الأولى تأثره الكبير بالواقعية السحرية، حيث رسم شخوصه بأحجام ضخمة كالبالون وبأسلوب خاص في العمارة. ويطلق على فنه حاليا «الواقعية المدهشة».

الواقعية السحرية في الستينات

ظهر في الستينيات أسلوب جديد من الواقعية السحرية سمي «بفوتورياليزم» أو «الواقعية الخارقة»، ويعتمد هذا الفن على أخذ صورة فوتوغرافية ومن ثم رسمها كلوحة ومن مؤسسي هذا الفن كل من راف غوينغ وريتشارد إيستس. كما ظهر فن «هايبراليزم» الذي يعتمد أيضا على الصورة الفوتوغرافية ولكن بمعالجة فنية مختلفة أقرب إلى الواقعية والتحجيم بأبعاد العمل النحتي، ومن أشهر فنانين هذه الحركة دينيس بيترسون. ولم يزدهر هذا الفن في أوروبا إلا في عام 2000.

كما تفرع منها أيضا في المرحلة ذاتها، فن «الواقعية الخيالية» حيث ترسم أشكال وعناصر لا وجود لها في الواقع، إلا أنها إن وجدت فستكون بالطريقة التي رسمت فيها. وتتراوح أساليب الرسم فيها من الأساطير والخرافات إلى الخيال العلمي ومشاهد من الطبيعة والسماء وغيرها. ومحور هذا الفن مهما اختلفت مواضيعه هو الخيال وحده. إذ يقوم الفنان برسم ما يراه في عقله بصورة واقعية. ومن أهم فنانين «الواقعية الخيالية»، جيف سباكمان وكارول هورست المتخصصة في رسم قصص الأطفال.

الجدير بالذكر أنه أقيم معرض لفن «الواقعية الخيالية» في دبي في شهر نوفمبر من العام الماضي وشارك فيه فنانان شهيران في عالم هذا الفن. أولهما دانييل ميريام من الولايات المتحدة الذي تميز بلوحاته الرومانسية الحالمة المستمدة من الأساطير، وذات التفاصيل العديدة والمرسومة غالبا بالألوان المائية مما منحها الكثير من الشفافية والعذوبة، وثانيهما الفنان البولندي الشهير أيضا توميك سيتوسكي حيث يعتمد في رسومه على العناصر الطبيعية التي يضعها في أجواء أسطورية تغريبية مدهشة دائما.

رشا المالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات