صدر مؤخراً للكاتب والباحث الكويتي يوسف مبارك المباركي كتاب بعنوان «حين استعاد الشعب الكويتي دستوره» وقائع ووثائق دواوين الاثنين وهو كتاب أنيق يحمل الكثير من الوثائق والصور عن نضال الحركة الوطنية الكويتية خلال سنوات الاعتراض على تعطيل الحياة النيابية في الكويت بين عامي 1989-1990 حيث شهدت الكويت مداً شعبياً غير مسبوق من ناحية أسلوب عمله، ومن ناحية مستوى الوعي السياسي الذي وصله ومن ناحية الحشد الشعبي الذي استقطبه دفاعاً عن دستور العام 1962 ودفاعاً عن النظام الديمقراطي.

الكتاب يوثق مرحلة تأسيس الدستور حيث يقول المؤلف لقد احدث الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح نقلة نوعية في الحياة السياسية بإصداره مرسوم إنشاء المجلس التأسيسي في 26 أغسطس 1961 بعد استقلال الكويت بشهرين تقريبا، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الدستور وأحكامه محور النظام لسياسي لا يملك أي طرف منفرداً الخروج منه أو الانقلاب عليه، بل ووضع لهذا الدستور مبدأ جوهرياً إذ أقر بأن مبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها فيه لا يجوز تنقيحها ما لم يكن التنقيح خاصا بلقب الإمارة أو بالمزيد من ضمانات الحرية والمساواة.تطرق المباركي إلى عدد من القضايا المركزية في تاريخ مطالبات الكويتيين بعودة الحياة الديمقراطية عبر وسائل كفلها لهم الدستور منها العرائض الشعبية حيث يكتب 21 ديسمبر 1986 اي بعد مرور ما يقارب خمسة أشهر على الحل، بادر نواب المجلس إلى توجيه أول خطاب رسمي إلى السلطة بواسطة أول عريضة رفعت إلى الأمير.

ووقع عليها 26 عضوا من أعضاء مجلس الأمة 1985، وقام د. أحمد محمد الخطيب بتسليمها إلى الديوان الأميري وتمت إعادتها بعد 24 ساعة من تسلّمها، وبعد فترة من المراجعة والتأمل أعاد النواب الكرة مرة أخرى ووجهوا خطابهم بعريضة ثانية إلى الأمير في 22 فبراير 1988 وأيضاً بتوقيع 26 عضواً، وقام بتسليم هذه العريضة إلى الديوان الأميري النائب حمود محمد الرومي وتسلمها منه عبد الرزاق حمد المشاري، ولكن تم استدعاء النائب الرومي في اليوم التالي إلى الديوان الأميري وأعيدت إليه العريضة.

ومع هذا الانغلاق الكامل أمام أي خطاب بشأن اجراءات يوليو 1986، وفي ضوء أن لا أحد، سواء كان مواطناً أو نائباً، يمكن أن يخضع للأمر الواقع، أي لإلغاء سلطة كاملة نص عليها الدستور، ونعني سلطة «الأمة»، اهتدى عدد من المواطنين إلى فكرة جديدة ولدت خلال لقاءاتهم بنواب المجلس في الديوانيات وسؤالهم عما يمكن عمله، وجاءت فكرة «العريضة الشعبية» الرائعة، بسيطة وواضحة وممكنة، وتنسجم مع ما نصت عليه المادة 45 من الدستور من حق المواطن في مخاطبة السلطات العامة.

اما الديوانيات فيقول الكتاب انه رغم ان ديوانية العضو جاسم محمد القطامي في الشامية شهدت بداية حركة ما أصبح يطلق عليها «دواوين الاثنين» بما يقارب 700 من الحاضرين للمطالبة بعودة الحياة البرلمانية وعودة العمل بالدستور، إلا أن هذه التحركات كانت قد بدأت حقيقة بعد حل مجلس الأمة وتعليق العمل ببعض مواد الدستور مباشرة كما كشف رئيس مجلس الأمة آنذاك أحمد عبد العزيز السعدون، فقد وجه عدد من أعضاء مجلس 1985 تجاوز عددهم أكثر من نصف أعضاء المجلس رسالة إلى الأمير بعد شهرين من الحل محددة وواضحة، يقولون فيها إن الإجراءات التي تمت لا تتفق مع الدستور وطالبوا بعودة الشرعية الدستورية وأرسلت رسالة ثانية بعد رفض تسليم الأولى.

وفي فبراير من العام 1988، بمناسبة العيد الوطني، وقع 26 نائباً من مختلف الاتجاهات عريضته الثانية الموجهة إلى الأمير جاء فيها «إن إلغاء إجراءات الثالث من يوليو 1986، والتي تم بموجبها تجاوز الأحكام المقررة في الدستور لنظام الحكم الديمقراطي، أصبح مطلب كل كويتي مخلص ليتسنى له أن يمارس دوره الدستوري بالمساهمة عبر ممثليه في مجلس الأمة في صناعة القرارات التي تمس شؤونه واحتياجاته وهمومه ومراقبة حسن تطبيقها ومتابعة آثارها ضمن احكام الدستور، وواصل النواب لقاءاتهم أسبوعيا منذ ذلك الوقت، وبدأوا بالاتصال بجمعيات النفع العام منذ مطلع العام 1989 للرد على التساؤلات المتكاثرة حول ماذا فعلوا منذ تعطيل الحياة النيابية في 3 يوليو 1986.

ويبذل المؤلف جهداً في جمع ما نقلته وكتبت عنه وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن الأحداث التي صاحبت تجمعات دواوين الاثنين والمقاطعة الشعبية للمجلس الوطني، وتأتي أهمية هذه المعلومات كون الصحافة الكويتية كانت تخضع لأحكام فرض الرقابة المسبقة عليها.

ويتوقف المباركي عند قصة قيام «المجلس الوطني»، وما رافقته من تزايد المعارضة الشعبية وحملة مقاطعته، وصولاٍ إلى اليوم الذي وضع فيه بمجلس الأمة بعد عودته حداً لوجوده. ولا ينسى الكتاب دور المرأة الكويتية في الحركة الشعبية وحضورها ومشاركتها في حملة الاحتياجات ومطالبة المرأة الكويتية بالمشاركة الشعبية، ويركز عند قضية المؤتمر الشعبي الذي أقيم في جدة عام 1990 حيث ينشر عددا من الوثائق والصور التي رافقت انعقاده بالمملكة العربية السعودية بعد 71 يوماً على الاحتلال العراقي للكويت.

الكتاب الذي يبرز التحرك الشعبي عبر دواوين الاثنين وما أبرزته هذه الندوات الجماهيرية من قفزة نوعية فأشار الحركة السياسية الكويتية، واستحقت هذه التجربة أن توثق في كتاب يستحق القراءة.

توسيع الندوات

الواضح ان التحركات والعرائض ولقاءات النواب الخاصة، كانت تجري بمعزل عن الرأي العام في ظل الرقابة التي فرضت على الصحف مسبقا، وانغلاق وسائل الإعلام بعامة في وجه الرأي النيابي والشعبي، ومن هنا ولدت فكرة توسيع الندوات الخاصة وانتظامها، عن الإجراءات غير الدستورية وإعادة الحياة البرلمانية مجددا في مناطق مختلفة.

نشوء الديوانيات

بدأت حركة «دواوين الاثنين» في ديوانية القطامي وتحدث القطامي مفتتحا هذا التحرك عن طبيعته وأهدافه، لقد ارتضى النواب منذ البداية كما قال أن يسلكوا سلوكا دستوريا يستجيب لكل تعليمات وزارة الداخلية، فلا هواتف ولا مكبرات صوت ولا مظلات خارج الديوانية، وحرصوا على أن تحتفظ الديوانية بطابعها الكويتي الهادئ والعاقل، بوصفها برلمانا مصغرا لإرسال المعلومة والاستماع للآراء والحوار مع الرواد.

أنور الياسين