سلطان العويس الطواش الذي قهر البحار بهدوئه وطيبته وإنسانيته ورهافة حسه وعذوبة خلقه وإنسانية قصيدته ورقي أخلاقه وعلو هامته في عالم التجارة والاستثمار، بل وعلى مستوى كل نوابض الحياة..
وبخلاصة شديدة جداً فسلطان العويس إنسان بكل مفاهيم الإنسانية، هذه المقدمة هي جزء من الورقة التي قدمها الكاتب والباحث عبد الاله عبد القادر خلال فعاليات مهرجان دبي الدولي للشعر مطلع شهر مارس الماضي الذي كان تحت شعار« ليلة الرواد الإماراتيين التي أقيمت على هامش المهرجان في بيت الشعر في منطقة الشندغة. ثمة سؤال يطرح نفسه، ونحن نحاول أن نعود إلى الوراء ثمانية عقود. ماذا في الحيرة ..؟!وأين هي الحيرة..؟!ولماذا نؤكد على هذه البؤرة، التي مسحت بيوتها من خارطة الأرض لتشيد بمكانها كيانات أسمنتية جديدة ..!! إذ لم تستطع أن تصمد أمام زحف المباني .. وتمحى من سطح الأرض، لكنها تخلد في صفحات التاريخ..
الحيرة .. من أعمال الشارقة ، قرية تقع على البحر ما بين الشارقة وعجمان..وسمي هذا المكان بؤرة الحيرة الشعرية لأنها سجلت ولادة عدد من شعراء وأدباء وأعلام الإمارات في فترة زمنية متقاربة فإذا كانت ولادة سالم بن علي العويس عام 1887م، ورحيله عام 1959م، فإن ولادات أخرى لشعراء أعلام في هذه البقعة وُلدوا في هذا المكان بعد هذا التاريخ، فكانت الحيرة مسقط رأس خلفان بن مصبح، وصقر القاسمي، ومبارك الناخي، وحمد بن عبد الله بن سلطان العويس.. وغيرهم.. إضافة إلى شاعرنا سلطان بن علي بن عبد الله العويس المولود في الحيرة عام 1925. وقد كتب العديد من الباحثين عن ظاهرة الحيرة الشعرية التي جمعت بين سكيكها هذه النخب الشعرية التي سجلت ريادتها بين رواد الشعر لا في الإمارات فحسب، بل في الخليج والوطن العربي.
سندباد طموح البحر بوابة الحيرة.. مفتوحة أمام سلطان.. ومثلما بدأ طواشاً في صباه.. تحول إلى تاجر لؤلؤ وهو في العشرين، ليسافر في رحلته الأولى إلى الهند.. وفي هذه الرحلة التي نقلته من الحيرة الصغيرة المتثائبة على تخوم بحر الشارقة إلى واحدة من عواصم الدنيا في تلك الفترة، ليصاب بدهشته الأولى، أو بالصدمة الأولى، إنه سندباد معاصر يبحر في نفس البحار التي أبحر فيها سلفه من البصرة. يقول سلطان عن هذه التجربة «كان ليل الهند ليلاً أسطورياً آنذاك، متوهجاً بالضوء كنهاراتها الصاخبة، وكانت الدروب لا تشبه دروب بلادي التي لطالما محت بعضها الرمال في تقلبات مزاج الطبيعة.
كانت تجتازها السيارات والعربات نحو متاجر وصروح شديدة الثبات والشموخ. كان من الطبيعي أن تلفت انتباهي هذه الأشياء، ومن الطبيعي أن ترسخ في ذاكرتي، شأن أي إنسان آخر ينتقل من عالم إلى نقيضه.إذاً، شاهدت في رحلتي الأولى إلى الهند، عالماً مختلفاً عن عالمي وحياة تختلف عن الحياة التي كنت أعيش، وجدت فيها شيئاً يحرض على القيام بفعل ما، شيء يحفز على المضي نحو فكرة غامضة، بدأت لاحقاً العمل على بلورتها. إنه شيء يفوق الخيال، مدهش ويحمل على التأمل والتفكير.
في أيامي الأولى في الهند بدأت أكتشف المدينة التي تعج باللغات واللهجات، هندية، وعربية، وإنجليزية، وفي تلك الحقبة من الزمن كانت الهند محطة تجارية تجمع بين الخليج ومصر ولبنان وسوريا وأوروبا. وكان الإنجليز أدركوا أهمية تلك البلاد منذ وقت بعيد وجعلوا منها مستعمرة كبرى ومركزاً مهماً في الشرق. كنت أتجول وأتعرف على الوجه الآخر للحياة والتاريخ والحضارة.
شاهدت مطبعة تطبع الكتب العربية، وبالطبع نحن نفتقر ليس لمطبعة وحسب في تلك الأيام، بل حتى إلى الكتاب. شاهدت صروح العلم من كليات ومدارس ومساجد، رأيت التلامذة يخرجون في المساء على نحو جميل، وربما أول أمر خطر على بالي حين سرقني مشهد التلاميذ، هو بناء مدرسة، بناء مدرسة في الحيرة، في بلدي التي تعلمت فيها عن الكتاب».
سلطان شاعر مؤسس
سيرة سلطان الشعرية، هي سيرته الذاتية، وفي تصوري حتى عمله في التجارة والاستثمار جزء من سيرة شاعرية متناغمة، قلما نجد أديباً متميزاً مبدعاً في أدبه، ناجحاً في حياته العملية، سيرة سندبادية، انطلق بها من الحيرة- إلى الحيرة مروراً بدبي، بومباي، لندن، القاهرة، بغداد، دمشق، ريودي جانيرو، والقائمة تطول، قد تكون شملت بلداناً وأقواماً لا نعرفهم، ليعود مرة أخرى إلى مثواه في الشارقة في الرابع من يناير عام 2000، وكان قادماً من رحلته الأخيرة في بومباي.
لم يكن سلطان يعيش يومه تاجراً فقط، أو شاعراً فحسب، بل إن يومه متعدد ومتشعب الطرقات والمسارات، والساعات تتداخل، وتختلط المصطلحات الأدبية والتجارية، وتتعدد المواقف وتتشعب الساعات والدقائق والثواني أحياناً، إنه سلطان المتجدد في كل ثانية من حياته.
ولا عجب في قدرته على انتقاء الكلمة المناسبة للموقف المناسب، في شعرية غاية في الحساسية والرقة.
وهو الذي نهل من الكتب القديمة التي تواجدت في مكتبة العائلة، مروراً بالسفر الذي بدأ في العشرين ولم يتوقف إلا مع توقف نبضات القلب، وتعرفه عبر أسفاره على العديد من الشعراء والأدباء العرب والأجانب الذين صاحبهم وعاش معهم وأخذ منهم مثلما أعطاهم، هو الذي وجد نفسه فجأة بعد أن تفتقت موهبته الشعرية يحمل صخرتين ثقيلتين، ساعدتاه على القوة التي اكتسبها في الحياة شعراً، ومواقفً.
وتجاوزاً لكل أزمة مرت بحياته، وكأنه سيزيف عصره، فهو أمام إرث عائلي ثقيل من المبدعين الذين سبقوه وكان عليه أن يبدأ من حيث انتهى أسلافه، وأبناء الحيرة الذين وُلدوا معه جسداً وشعراً فكان عليه أن يسابقهم، ويتفوق عليهم، وصحبة من شعراء كبار في عصرهم كان عليه أن يكون بمصافهم وبمستواهم الشعري، كل ذلك فجر عنده روح التحدي فكتب قصيدته المتميزة بشخصه لا تقليداً ولا تشبهاً بأحد من رفاقه، إلا أنه كان خجولاً في إعلان نفسه شاعراً.
وهو الذي عُرف بتواضعه إلى درجة كان يحرجنا نحن الذين كنا من حوله نعمل باسمه وبصوته، هذا الخجل أثر حتى على نشره لنتاجه الشعري الذي تأخر كثيراً، وهو المقل جداً، وعلى الرغم من تواجده في مجالس الشعراء في دمشق، وبيروت، والقاهرة، وغيرها إلا أنه كان يحسن الاستماع مخبئاً قصيدته إلى حين.
يقول سلطان العويس: في بيروت تحديداً تعرفت على الثقافة العربية الحديثة، علمتني هذه المدينة كثيراً، نتيجة إقامتي الصيفية السنوية حيث التفاعل والاحتكاك اليومي مع ثقافة المدينة وأفكارها وتياراتها. كنا نلتقي بمقاهيها بكبار المثقفين العرب واللبنانيين، من عمر أبو ريشة إلى بدوي الجبل، وجيل كبير من الأدباء والشعراء ونتحاور في شؤون السياسة والثقافة والحرية.
أحلام عظيمة كانت في بيروت وذكريات لا تستطيع أن تتلفها الأيام، تعود بي دائماً إلى زمن بيروت، إلى مقهى الدولشيفيتا، حيث كانت تنعقد السجالات الفكرية والسياسية والثقافية، في هذا المقهى تكونت صداقات عديدة، وتعرفت على أمزجة مختلفة، وأقمت علاقات منها انتهى ومنها استمر، أذكر من بين الذين قامت بيني وبينه صداقة لم تستمر طويلاً، صلاح البيطار، وشكري القوتلي، لكن صداقتي الحقيقية هي لبيروت مدينة الإبداع والفكر والحرية، لذلك تراني منحازاً للمبدعين أكثر من انحيازي للسياسيين. لا أعتقد أن زمن بيروت يتكرر في عاصمة أخرى.
إننا أمام شاعر أسسته الحياة وصقلته، وعلمته فأعطته مثلما أعطاها هو كالطفل والحكيم في آن واحد، هو الثائر والمستكين، هو العملاق المتواضع، هو اللؤلؤة المجروحة النازفة، وهو الطود الذي لا يهتز، قد ينزف من داخله إلا أنه كاظم ألمه وهو الذي يتواضع، هو البحر في عواصفه، وفي عطائه، وفي سكينته.. يقول:
أنا مدين لهذا البحر الذي عبره تواصلت مع الآخرين كتاباً وشعراً ومفكرين وأدباء في كل من مصر وبيروت حيث بدأت أحضر الندوات الفكرية والثقافية وأعيش السجالات وصراعات الأفكار، لم أخطط آنذاك لأكون شاعراً، حتى لو أنني كنت أقول الشعر بيتاً أو أكثر، في موقف، أو حسن وجمال أو حادثة، كنت صديقاً للشعر والشعراء، متفوقاً بالإبداع والجمال وبما هو جديد ومثير.
كنت لا أجرؤ على نشر ما أكتبه، ربما يعود هذا الأمر إلى عدم ثقة، أو لتهيب، لكن لقاءاتي المتكررة مع الكتاب والشعراء في دمشق وبيروت والقاهرة والهند، فتحت أمامي آفاقاً جديدة في الكتابة، وأذكر أني نشرت أولى قصائدي في مجلة ورود في بيروت.
جمالية القصيدة
يعتقد معظم الباحثين والقراء، أن سلطان العويس لم يكتب إلا في الغزل، وإذا كانت هذه المقولة فيها شيء من الصحة فإن الواقع الملموس من خلال ديوانه يشير إلا أنه غير ذلك. نعم سلطان العويس شاعر غزل من الدرجة الأولى يقف بقامته إلى جانب كبار شعراء العربية في هذا الجزء من الشعر.
ولكنه أيضاً شاعر تسامى بالغزل والحب، ولم يحط من قدر المرأة كإنسانة وحبيبة ومعشوقة، هو ينقلنا إلى عوالم من التسامي ويصل بنا إلى الذرى بل وينقلنا إلى عوالم الرومانسية الجميلة، وهو بذلك يجعل من الإنسان ? المرأة، مادة لقصيدته، ولكنه يجعلها قدره، ويعتبرها نعمة لهذا القدر، هو يتسامى بها، ويجعلها حياته، جدلية البقاء والحياة بالنسبة له.
لم تكن المرأة في العديد من قصائده هي المرأة المجردة جنساً، إنما كانت لها ارتباطات بالحياة، لأنها النصف المكمل للإنسان أولاً، ولأن الحياة لا تكتمل بدونها، وتصبح صحراء قاحلة بلا عطاء أو بلا روح، أو حتى هواء، والحب لم يكتسبه الشاعر من خارج تكوينه الإنساني بقدر ما نجده في نسيجه وفي أعماقه، هو استمرارية الحياة والروح في عوالمه التي ظلت تعيش حتى بعد رحيله الجسدي، وكأني والله أن سلطان قد وُلد عاشقاً.
لأن كل ما ينم عن طبعه وخصاله. فهو رجل لم يعرف الكراهية والبغضاء والعداوة، والمرأة ليست طيفاً عابراً بقدر ما هي حقيقة في حياتنا وحياته لأنه إنسان (لا أستطيع العيش في أي مكان في العالم، في أي بلد كان قريباً أم بعيداً دونها، فهي بالنسبة لي كل الحياة، وحين أكتب عن الحب عن المرأة أكون أكتب عن الحياة ..هي ذلك البحر الشاسع العميق السر، والمدى اللا محدود.
سلطان العويس لا يعرف في قاموسه إلا الحب، ولكنه يوزع حبه على خارطة بشرية جغرافية واسعة، حتى لتعجب كيف يمكن لهذا القلب أن يوزع عواطفه على تلك المساحة، اكتسبت قصائده الأولى نظرته تجاه الحبيبة، فكتب لها غزلاً، وعشقاً، حتى وصل ذروته في سيمفونية الحب الإنساني، ولكنه منذ مطلع التسعينات ونتيجة للانكسارات وللظروف السياسية والأحداث المصيرية التي مرت بها أمته، فوجئنا به وقد نقل جزءاً كبيراً من حبه ليوزعه بين الوطن السكن، وبين الوطن الأم، متنقلاً في حبه لصديقه وشيخه الراحل زايد، أو لوطن كان يقدسه ويعشقه:
وطني دمي ينساب بين جوانجي فكأنه والروح فيِّ سواء..
وصارت قصيدته منذ التسعينات لا ترتبط بالمرأة فقط، بل تعدت علاقاته الإنسانية إلى مجالات أبعد ومساحات أوسع. فأصبحت قصيدته الوطنية والقومية مثالاً لكل من يريد أن يتعرف على مساحة الحب عند سلطان والعلاقة الجدلية لهذا الحب مع المرأة، والوطن، والحرية.
سلطان العويس، نموذج يجمع الشهب والنيازك، مسكون بحبه لوطنه، يعتز بما أنجزه القادة الكبار، حزين على قومه، يفتخر بأطفال الأمة، هو يحب الحرية، والحياة، ويجعل المرأة جسراً لحياته وكل إبداعاته، عاش منحازاً للإنسان، ولحريته، ولإنسانيته، وللعدالة التي لابد أن تسود وتسكن حواري الوطن الأكبر بعد أن سكنت حواري وطنه، هو لا يريد أن يذل نفسه كإنسان حتى أمام الحبيب، فخور بالوطن كإنسان ينتمي له.
ولذلك فقد ترجم هذا الحب والإنسانية بأفعال بعيدة عن القاسم المشترك الذي يمتاز به بين عالمي التجارة والاستثمار وبين رومانسية الشعر ورهافة القلب، ترجم ذلك بأفعال على الأرض مادية التكوين، أو رمزية الوجود فظل حياً لم يمت ذكره، لأنه ظل مع الإبداع جسداً حياً، وروحاً بعد أن رحل الجسد الفاني للقاء ربه.
إن رحلة سلطان العويس رحلة ممثلة برحلة طواش، لكنه لم يقتصر على طواشة اللؤلؤ، وتجاوزها إلى طواشة عامة، امتاز بها حتى أصبح طواشاً في كل حقل وفي كل البحار والأسفار التي لم يتحدد بها بحدود سواء كان على المستوى الشعري أو المستويات الأخرى.
طواش الشعر
هذا الطواش الصغير .. من عائلة سبقه أهله في الإبحار مع عروض الشعر، فصيحاً ونبطياً، وعرف الكثير من أبناء عائلته بغزارة علمه وحكمته ومرجعيته، بينما كان علياً الأب تاجر اللؤلؤ من الرجال المعروفين بصدقه وأمانته.
إلى جانب أصدقائه وأبناء الجيران الذين برعوا بقرض الشعر وحبه مثله. إذن كان سلطان غنياً في منشئه وصباه، مؤسساً بعمق وجدارة على عدة مستويات أخلاقية، وتربوية، وأدبية، إضافة إلى تجربته العملية التي بدأت في بواكير حياته، فأكسبته الحيرة، كل الميزات التي عرفناها عنه لاحقاً، بين شاعر فذ ومبدع ومتميز، ورجل أعمال ناجح صنع لنفسه اسماً في عالم المال والاستثمار، وإنساناً قل أن نجد بين البشر نموذجاً آخر له. وفي اعتقادي أن كل ذلك يعود إلى البنية الأساسية التي وُلد في كنفها بين عائلته العويسات وبين أهالي الحيرة التي لم تصبه بالحيرة في حياته.
عبد الإله عبد القادر



