لا أحد يستطيع حصر عدد الأقلام التي اقتناها في حياته ليس بدءاً من مقعد الدراسة الأول وليس انتهاءً بسلسلة المقاعد الحياتية خارج نطاق الصف وما أكثرها وأنوعها: مقاعد متحركة وصفوفاً مفتوحاً ومعلمين دون تسمية! لكن ثمة ما يمكن تذكّره ومن باب الإحصاء ألا وهو القلم الأول الذي تمت به الخربشة الأولى: خربشة العالم

إبراهيم محمود

انها الخربشة الحُلمية أو اللقاء الأول بالحياة، وهي اللحظة الباعثة على نشوة غامضة إذ تترافق بضحكة طفلية وحركة يدوية وجذعية ورؤية للمحيطين بنا وكأن في ذلك إيذاناً بالتحليق والتسطير على القرطاس الأوسع في الحياة لأن العمر صعب إن لم يكن مستحيلاً تحديده حيث تناول القلم يكون بفعل تحريض من باب المؤانسة الأهلية واللاصفّية طبعاً، والقلم الأول الذي رافقنا بنفَسه الرصاصي غالباً والمبري ليكون سكَّتنا الفاتنة في حرث الصفحة الأولى من دفتر معدًّ لنا مدرسياً كما يفترَض، معتبرين المسطور وهو في غمقه اللوني وخروجه عن جادة السطر لحظة قيامتنا النَّفسية .

وفي الوقت ذاته شعورنا بالاعتداد الذاتي، شعرية الطفولة وهي تتباهى بأثرها اللافت ونحن نظهِر للأهل ما تم إنجازه بفضل القلم، وكأننا نرد على معروفهم الطبيعي بجميل نجهد في إبرازه لنكسب تصفيقاً أهلياً هذه المرة! القلم عالم شعري، بما أننا من خلاله وهو في تعدد أشكاله وتحولاته، نتعلم كيف نمارس تغيير للعالم وتعديله، وجعله أجمل، كيف نعدل الأشياء باسمه، نغيّر في أنفسنا. لقد وضع سر العالم في ذات القلم! السر الذي يقودنا إلى سواه دون توقف لتستمر الحياة، وهو الناطق بذات الجلالة، الواصل بين الإنسان وخالقه!

لا أحد ينسى قلماً ما أهدي إليه لأنه تفوق في مادة ما أو بمناسبة ما تخص نجاحه المرحلي أو المدرسي، أو هدية متقدمة من صديق أو حبيب إذ يتخلل نفَسه الكتابي هذه المرة بوحُ المختلف بعبق المتخيَّل في لقائه المرتقَب!

لا أحد ينسى قائمة من الأقلام الخاصة تلك التي تتميز بقيمتها ومناسباتها التاريخية وفي أمكنة مختلفة، حيث القلم الواحد يكون شاهداً حياً على ما نقوم به أو نحققه في حياتنا العملية وسط الآخرين أو بالنسبة لنا بالذات، وفي كل ذلك بداية ونهاية تكون الأصابع هي محمية القلم الواحد والذي يتكرر بشكله وماركته ولونه ومناسبته وروائحه والصور التي ترافقه أو تعانقه أو تنبثق عنه تخص الآخرين: أهلاً وأحبة ومعارف ووجوهاً عابرة لها نكهتها.

خلاف أمور كثيرة تخص صلة الأصابع بالعالم الخارجي جمالياً ووجدانياً، حيث يمكن الإحساس والشعور بها،

يبقى القلم في صدارة ما نحمله أو نمسك به بطريقة خاصة، إذ يكون لكل قلم ذاكرته المختلفة أو بابه الروحي المختلف عن سواه ونحن نطرقه لحظة استدعاء اللحظة المرافقة: فرحاً أو ترحاً أو ما بينهما، وفي الحالات كافة يكون القلم السيَّال بنهر صريره: حرير صوته دواته المحمولة أو المجاورة له مرجعه المدادي والاعتدادي حاملنا إلى العالم الذي نغدق علينا بما نشتهي أو ما نرتئي، القلم الذي يتنفس بإلهام أصابعنا بعوالم متخيَّلة أو جار نسجها في صمت، لكَم يتشوَّق إلى رؤيتها أو التلاشي في نعيم المودَع فيها نظراً لطابع المغايرة الحُلمية أوالغُنمية كما يعلم بذلك أهل الفن وفي السينما تحديداً، فالقلم يشد آلة التصوير إليه، مثلما يحلّق عالياً وهو نفاث أفق يتناسب طرداً ودفق حرارة الإبداع وفذاذة الرؤية التي تستحيل كلمات بهمة الأصابع دون التذكير باليد المختلفة شأناً.

إن أقلام الآخرين هي حيواتهم التي تتراءى وراء ستائر وحجب، دمغات أصابع تعرقت، أو نفثات رغبات يستحيل حصر حدودها، إنها تستشرف بنا جوانب مما يثيرنا في الآخرين كتاباً أو ذوي صيت، وكأنما تؤدي أقلامهم أدواراً تتناسب وتصوراتنا عنها تكون وسائط ومحفّزات لخيالات تقرّبنا منهم ولو بجرعات وهمية أحياناً، وكأننا نضفي بعضاً من المشروعية في تخيل وضع الذي يعنينا أمره: سرّه وهو يحمل القلم للمرة الأولى، حيث إن الآخرين بأقلامهم يمكّنوننا هنا من العيش بطرائق أكثر تنويعاً، إن حمل قلم مشهور يعني تقمصه نفسياً!

ويمكن الحديث هنا عن العالم الأساطيري للقلم، أو دنيا التخيلات الهائلة حيث لا يمكن لأي كان أن يثبت مهارته فيما هو أهل له فكراً وإبداعاً دون الاستعانة بالذي لا يستحق ذكر وزن نظراً لخفته، ولكنه وكما بُدء بذكره التكوين واليقين بوجود ما يتجاوز عالمنا الحسي أهمية، يكون فيصل التفرقة بين وهم ويقين، بين عالم نعيشه وهو مستويات وعالم نتوق إليه نستطيع تجميله أو تركه أثراً من بعدنا بمعيّته، إنه القلم الذي يصلنا بأصولنا الأولى وإن استحال علينا ثبتها تاريخاً ومقاماً، يصلنا بما ينبض داخلنا روحياً من جهة المركّب له أساساً، باعتباره من روح نبات شريكنا وتوأمنا الخَلقي طبيعة يستعصي علينا سرُّه، من ذات القصب والقصب نفخة روحية توغل في الأعماق مثلما تشمخ نحو فضاء قمة جبل لا مرئية، أي يحقق لنا ما يجيز لنا خلافتنا الأرضية بامتياز أكثر.

القلم نفَس الأصابع مصافح روحنا الأخرى سفيرنا اللامرئي إلى من نعرفهم ومن نجهلهم متعدد اللغات طوع أمر بناننا وفي الوقت ذاته عطوف في إصلاح ذات البين والوصل بين أقصانا وأدنانا وتلك حكمته التي يعرَف بها، فضيلته الكبرى في الوصل الدلالي بين الأسلاف والأخلاف، وما يتبقَّى يتبقى علينا على أيدينا وما تهواه أنفسنا!