تسعى دبي جاهدة لاستغلال البيوت التاريخية القديمة في إنشاء متاحف نوعية لتكون نواة لثقافة بصرية تقارب أزمنة الماضي بالحاضر وتطل على المستقبل، في هذا الاطار أقامت دبي ستة متاحف: متحف العمارة التقليدية، متحف الهجن، متحف الخيل، متحف المسكوكات، ومتحف بلدية دبي ومتحف الصقور قيد الإنشاء، وهذه المتاحف تتوزع على ثلاث مناطق هي البستكية والشندغة والديرة وند الشبا.
لقد تمكنت إدارة التراث العمراني وفي فترة قياسية من افتتاحها وتجهيزها لتكون صالحة لزيارة الجمهور. وعلى الرغم من أن هذه المتاحف الستة مختلفة لكنها تشكل نواة لثقافة واحدة وتغور عميقاً في تراث الإمارات بل وتعتبر واحة يتعرف فيها الزائر على حياة هذا المجتمع عبر العصور.المهندس يعقوب يوسف آل علي، رئيس فريق المتاحف في إدارة التراث العمراني ألقى الضوء على تلك الخطوات الكبيرة، انطلاقا من متحف دبي الذي تم افتتاحه في عام 1971 في قلعة الفهيدي، وهو يحتوي على معروضات تقدم صورة واضحة عن طبيعة الحياة قبل اكتشاف النفط في المنطقة بالإضافة إلى الموضوعات التراثية التي تمثل المظاهر الطبيعية كالخور والمنازل العربية التقليدية والمساجد والأسواق ومزارع النخيل.
ويستخدم اليوم كمتحف هام حيث يستطيع الزائر التعرف على تطور الحياة الإماراتية في مجتمعاتنا الريفية أو البحرية أو الصحراوية وغيرها من خلال المعروضات والمقتنيات والتصاميم الإبداعية والخروج بانطباع يحكي قصة التطور التاريخي لطبيعة الحياة الإماراتية بأسلوب جمالي أشبه بالبانوراما الحية. ولعل أهمها لوحات الغوص التي تصور مهنة الغوص على اللؤلؤ والأثقال والموازين والمنخل التي استعملها تجار اللؤلؤ. وهناك أيضاً الآثار التي تشير إلى وجود حضارات يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد.إلى متى يرجع تاريخ هذا المبنى؟يرجع تاريخ إنشاء المبنى إلى عام 1799، وهو من أقدم المباني بإمارة دبي. ويكتسب قيمته من تمثيله لعناصر العمارة الدفاعية، خاصة الأبراج التي كانت تشرف على السور التاريخي للمدينة، إضافة إلى استراتيجية الموقع في مركز المدينة التاريخية بمنطقة بر دبي.
وكانت إدارة التراث العمراني ببلدية دبي قد قامت بعملية الترميم اللازم للمبنى بحيث عاد إلى حالته التاريخية، وقد روعي بذلك إتباع الأساليب العلمية والقواعد الخاصة والمعايير المتبعة عالمياً.كيف جاءتكم فكرة تأسيس هذه المتاحف؟جاءت فكرة المتاحف للمحافظة على البيوت التراثية، نحن كتراث عمراني. ونحالو استغلال المباني التاريخية كمكتب وبيوت قديمة حولناها إلى مطاعم وفنادق ولا يمكن تحوي لجميع البيوت القديمة إلى مطاعم ومتاحف بطبيعة الحال. وأفضل شيء أن نحّول هذه البيوت إلى متاحف.
ما الذي يميز هذه المتاحف التي تبدو من شكلها انها بسيطة؟
هذا صحيح لأن الحياة التي كان يعيشها الإماراتيون القدامي كانت بسيطة بحد ذاتها. ولكننا نحاول أن نضيف بعض المقتنيات التي تعكس الحياة آنذاك، وعلى الخصوص الجانب العلمي. على سبيل المثال، بيت العمارة التقليدي، وهو بيت الشيخ جمعة بن مكتوم آل مكتوم سابقاً، يتميز بأقدم الزخارف الأصلية الموجودة في البيوت. ثم نتكلم عن مواد البناء، ومعداته القديمة التي تلاشت في الوقت الحاضر ولكننا تمكنا من جمعها من عدد من البنائين القدامى الذين لا يزالون يحتفظون بها والتي لولاها لما كنا نستطيع إعادة ترميم البيوت القديمة في الشندغة والبستكية وغيرهما. والشخص الذي يزور هذا المتحف يتعلم طريقة البناء أكثر مما يرى المقتنيات.
كيف تم جمع هذه المقتنيات ومعدات البناء؟
من الصعب تجميع المقتنيات بسبب تفرقها بين الناس وخصوصاً الطاعنين منهم في السن الذين لا يتخلون عن هذه المقتنيات ببساطة. والمعروف أن الذي شيّد البيوت القديمة هو محمد عقيل البنا الذي أعطانا بعض المقتنيات الموجودة لديه وقد أجرينا معه مقابلات عديدة ليشرح لنا كيفية البناء وأهم تقنياته القديمة ومواد البناء الخاصة وغيرها.
وهناك البعض من البنائين من يفضل تسليفنا هذه المعدات والمقتنيات والمواد من أجل عرضها في المعارض التي يكون هدفها منصّباً على توثيق المعلومات للأجيال القادمة. ونحاول في متحف الهجن على سبيل المثال أن نجمع الأساطير التي يرويها الناس وقصصهم مع الجمال. وكذلك مسميات الإبل عن القبائل وكل قبيلة لها وشم خاص يميزها.
وهناك معلومات علمية عن الجمل مثل معدة الجمل ولا داعي لنؤكد مدى أهمية الإبل عن العرب إذ ترك الجمل العربي أثره على التاريخ في عهود الحرب والسلم معاً. وكذلك بيت الخيل وتاريخها في الإمارات. ويحتوي المعرض المخصص للخيل كل المعلومات عنها سواء الأرشيفية أو العلمية عنها.
وقصة انتشار أول خيل عربية. وتم شرح ذلك من خلال المجسمات التي استخدمناها للكبار والصغار على حد سواء. ويزود المتحف الزائر بثقافة كاملة عن الخيل. وقد استخدمنا تكنولوجيا الصوت والصورة في شرح تفاصيل الهجن والخيول بطريقة مبسطة باللغتين الانجليزية والعربية. يوجد في متحف المسكوكات أكثر من 490 عملة قديمة من الساسانية المعربة ثم العصر الأموي والعباسي وبلاد الشام وفارس ومصر. وموزعة على الغرف حسب العصور المختلفة. وتعتبر هذه المسكوكات أصلية وفريدة من نوعها.
هل في نيتكم تشييد متاحف أخرى؟
كما قلت قبل قليل إن متحف الصقور لا يزال في طور الإنشاء وسيكون له صدى طيب لأن الصقور والصيد بها هي من الرياضات التي يعترف بها العالم أجمع. لها مقتنياتها ولوازمها الخاصة وكذلك علومها وأمراضها وأشكال العناية بها. وهناك متاحف جديدة أخرى نسعى إلى تأسيسها مثل متحف السوق، ومتحف عن تاريخ دبي، ونحاول ترجمة الكتاب أصدرناه بعنوان «دبي موجز وتاريخ ـ وقائع وأحداث» إلى متحف ملموس وواقعي. أي استعراض تاريخ دبي منذ نشوئها وحتى الوقت الحاضر من خلال المجسمات والصور والوثائق والشهادات.
هل هناك تردد للزوار على هذه المتاحف؟
بدأ اهتمام الناس بهذه المتاحف يزداد يوماً بعد آخر سواء من الأجانب أو العرب أو الإماراتيين. ووصل عدد الزوار إلى هذه المتاحف قرابة 40 ألف زائر. ولدينا تنسيق مع وزارة التربية والتعليم لطلبة المدارس ولدينا شركات سياحية يزودوننا بالسياح. ودخول المتاحف حّر وبالإضافة على ذلك نزودهم بالبروشرات والكتيبات والمعلومات. وفي 2008 وصل عدد المدارس التي زارتنا 50 مدرسة ونخطط حالياً لزيادتها إلى 80 مدرسة في عام 2009. وعلى الرغم من تأثير الأزمة على تردد السياح فإن الزيارات لا تزال مستمرة.
هل لديكم ورش صيانة خاصة بكم؟
لدينا ورش صيانة كالمحافظة على البنايات التاريخية، وتحتوي على عمال متخصصين في هذا الميدان وعملهم متواصل. أما الأجهزة الالكترونية فهي تابعة للشركات التي تقدم لنا الضمانات.
هل في النية جمع هذه المتاحف في مكان واحد في المستقبل؟
ونحن بصدد عمل خارطة لهذه المتاحف وربطها بعضها بالبعض.
ما هو مدى استفادتكم من المتاحف الأخرى؟
نقوم بإرسال الموظفين في رحلات دورية. وقد زرنا في عام 2008 أربعة متاحف: متحف الشارقة المائي، قلعة الجاهلي، ومتحف العين، وزرنا متاحف البحرين، بيت الجسرة والمقابر وبيت الشيخ عيسى معابد باربار وغيرها. وقد استفدنا منها كثيراً من ناحية ومن نتاحية أخرى نقوم بالتعريف بأنفسنا. متاحفنا صغيرة الهدف الرئيسي هو المحافظة على هذه المباني. ومن خلال هذه الزيارات نحاول أن نطور متاحفنا. ونحن بدأنا بهذه المتاحف من سنة واحدة فقط.
وماذا عن تصاميم وديكورات هذه المتاحف؟
نعتمد في أغلب تصاميم متاحفنا على خبرات مهندسينا التابعين لإدارة التراث العمراني وقلما نستعين بالخبرات الأجنبية.
ما هو حجم الإنفاق الذي يتم على هذه المتاحف؟
نحن مؤسسة غير ربحية كما تعلم. والدولة هي التي تمّول هذه المتاحف وتنفق عليها.
بيت الهجن
شُيد بيت الهجن في عقد الأربعينات من القرن الماضي في منطقة الشندغة وكان يُسمى «بيت الركالب» بالقرب من بيت المغفور له الشيخ سعيد بن سعيد بن مكتوم آل مكتوم. وقد بني البيت على عدة مراحل. وكان البيت مخصصاً مربطاً ومكاناً لتدريب الجمال والخيول. ولعل أهمية المتحف الحالي تمكن في تجسيد حياة الإبل عبر التاريخ من خلال تأثير الجمل على تاريخ العرب الأولين، في الحرب والسلم، ومنها توصيل البريد وحماية الحدود وغيرهما.
ويستعرض المتحف تاريخ الإبل في الإمارات، حيث عُرفت الإبل في جزيرة العرب منذ ستة آلاف سنة. ويستعرض المتحف على آنية فخارية تحمل رسوماً لعدد من صور الإبل تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وهي موجودة في منطقة كلباء في إمارة الشارقة. ويتضمن المتحف جميع أنواع الوشم التي تصنّف القبائل العربية للتعرف على ابلها وسط قطعان إبل الآخرين، منها: آل نهيان ـ أبو قلاح، آل مكتوم ـ آل فلاسة، القواسم، آل معلا، النعيم، المشاغبين، آل بوعميم والمناصير والعوامر وآل بلخيلي وغيرهم.
شاكر نوري



