تعتبر رواية «راجويلا» الصادرة لأول مرة عام 1963 أهم رواية للكاتب الأرجنتيني الراحل خوليو كورتزار (1914 ـ 1984)، كما تعتبر إحدى أكثر الروايات تأثيرا في الأدب الإسبانو ـ أميركي المعاصر، في حين يفترض هذا العمل الروائي الضخم توطيد ذلك الأسلوب الشخصاني المتمرد والساخر،الذي يشهد القارئ من خلاله مصير شخصيات تظل تدور بين أروقة الصفحات بعيدا عن التحديد المسبق المعتمد في الرواية التقليدية.
في سنواتها الأولى، اعتبرها كتاب ومثقفو تلك الحقبة الزمنية معادلا لما كانت عليه رواية «يوليسيس» لجيمس جويس في العمل الروائي الإسبانو ـ أميركي. إحدى الإضافات التي تقدمها هذه الرواية التاريخية تكمن في القطيعة البينة مع سائر الأعمال الروائية التي كانت قد كتبت حتى تلك اللحظة وكذلك في أن الأسلوب الذي اعتاد الناس على القراءة به لا يشكل، في هذه الحالة، سوى أحد الأشكال غير المتناهية التي يمكن قراءة وتأويل هذه الرواية من خلالها. في «راجويلا»، يقترح المؤلف قراءتين محتملتين في المستهل : القراءة التقليدية، بدءا من الصفحة الأولى تبعا للترتيب العادي وصولا إلى الفصل الـ 56 حيث ينتهي العمل بعلامة قوامها ثلاثة نجوم.
ـ قراءة متداخلة تسمح للقارئ بالحصول على المعلومة بوفرة وبسرعة غير مسبوقتين وتجعله شريكا في وضع فرضيات متقدمة حول مادة الرواية ومضمونها، في مشهد يبرز مفهوم الحرية كحلقة مركزية فيه.
بيد أن هناك شكلا آخر لقراءة هذا العمل الأدبي الخلاق يلمح إليه المؤلف نفسه بطريقة غير مباشرة، ويقوم على قراءة الرواية حسب الترتيب الذي يرتئيه القارئ وذلك عن طريق ترتيب والإخلال بترتيب الفصول على ذوقه. الإمكانية الأخيرة هذه تلوح كذلك في أفق رواية كورتزار التالية التي تحمل عنوان «62 نموذجا للتسلح».
لا يمكن الحديث عن حبكة أو حجة «راجويلا» من دون الوقوع في اختزالات محتومة تقصينا عن المعنى العميق للعمل،ذلك أن الجانب المهم في هذه الرواية لا علاقة له بما هو متشابك ومعقد وجديد في الحبكة، وإنما بالعالم النفسي الفسيح لكل شخصية والعلاقة التي تقيمها هذه الشخصية، انطلاقا من هذا العالم، مع الحب، الموت، الغيرة والفن.
في قاعها وفي شكلها، تسترد «راجويلا» أهمية القارئ وتدفعه، إلى حد ما، إلى التفاعل والنشاط وإلى لعب دور البطولة ورفض الرواية التقليدية التي لا تهتم إلا بما يمكن أن يجري في النهاية. لكن الحجة في «راجويلا» ليست مهمة، فهي تعنى بمسرح الأحداث الذي تقطنه الشخصيات وتتصرف فيه، في حيوية حرة وعميقة يقدمها المؤلف لها لكنه يقول هو نفسه إنه لا يتحمل مسؤوليتها.
نقاد كثيرون يشيرون إلى «راجويلا» على أنها نقيض الرواية وذلك بفعل الطابع المجدد والمبدع فيها، ذلك أنها تشكل قطيعة مع كافة القوانين والقواعد الروائية التي كانت سائدة في زمن صدورها. بيد أنه لا يمكن قول الأمر نفسه من قبل المؤلف، الذي يؤكد أن مصطلح «نقيض الرواية» يبدو له «محاولة مسمومة قليلا لتدمير الرواية كجنس أدبي»، ما يجعله يفضل استخدام مصطلح «ضد الرواية».
يسعى خوليو كورتزار من خلال هذا العمل إلى «رؤية ورصد حالة التواصل بين الرواية والقارئ بطريقة أخرى مختلفة»، حاثا على أن يقوم هذا الأخير بتعديل نشاطه الإيجابي أمام العمل بغية الوقوف في الجانب النشط والناقد.
تميز كورتزار كونه مثقفا واسع الاطلاع، الأمر الذي جسده في «راجويلا»، التي حملها عدد لا يحصى من الاستشهادات بمؤلفين وكتب وخطابات ورسومات وأعمال موسيقية.
بعض الاستشهادات التي تظهر على امتداد الرواية يعود لشخصيات مثل جون ميرو، بابلو بيكاسو، بول كلي، بيت موندريان.
ومن الكتاب أناكريوتي، جان بول سارتر، جورج باتايل ومن الموسيقيين بيتهوفن والبان بيرغ وكوبين.
كلمة «راجويلا» لا تعطي الرواية اسمها فحسب، بل تعني لعبة «القفزة»، التي يلعبها الأطفال وهم يقفزون في مربعات ومستطيلات يرسمونها على الأرض ويقذفون بأقدامهم قطعا صغيرة من البلاط، ويتقدون مربعا تلو الآخر إلى أن يصلوا إلى المربع أو الخانة الأخيرة. كورتزار يلجأ إلى النسخة الأرجنتينية من اللعبة التي تسمى فيها الخانة الأولى «أرض» والأخيرة «سماء».
واللعبة مذكورة مرات عديدة على امتداد الرواية. يراها أوراسيو في نزهاته مع لا ما غا في باريس، ويرى أن هذه اللعية تتطابق مع حالة الحب التي يشعران بها عندما يقبلان بعضهما يصلان إلى الخانة الأخيرة في «راجويلا» المرسومة على أرضية فناء مستشفى المجانين.
الكتاب: راجويلا
تأليف: خوليو كورتزار
الناشر: ألفاغوارا ـ الأرجنتين 1992
الصفحات: 598 صفحة
القطع: المتوسط
باسل ابو حمدة

