ليس سراً أن الفنان المسرحي المعروف قاسم محمد يمر بأزمة صحية حرجة، لكن المرض ما عاد حالة صراع فردي، لذلك فنحن جميعاً معه، لا في الشعور بالآلام فحسب بل وفي ما يملكه من أمل كبير على تجاوز الأزمة، وهنا تكمن أهمية الصمود، وربما هو في الخط الأول ونحن من خلفه لا نملك إلا أن نصبح له جدار حماية ومنعة، ومع كل لقاء معه يؤكد لي أبو زيدون بالقول والفعل كم هو الأمل واسعاً، وأن ما من ليل مهما طال إلا ومن بعده فجر جميل.
في لقائه الأخير مع بعض الزملاء من الكتاب والفنانين العرب، بدأ قاسم فرحاً، مبتسماً من أعماقه، وكأنه لا يحمل كل هذا الجبل الثقيل من الألم، زرع الأمل والفرحة في نفوس كل ضيوفه، وبكرمه فتح قلبه مثلما فتح باب بيته لنا جميعاً.
قال وهو يتأمل سقف الصالة التي كنا نجلس بها.
هل تصدقون أنني أخرج على هذا السقف كل يوم مسرحية!
هذا جزء من سلاح دفاعي للحيلولة دون الاستسلام لهجوم المرض وأساليبه الخبيثة، ولأن قاسم أيضاً كل حياته كانت مسرحاً، منذ صغره، وقد تحدث عن فضاءات التأسيس، ووجدتها وأنا استمع لحديثه أنها فضاءاتي وفضاءات كل فنان عاش على تربة العراق الثري.
أردف قائلاً بغداد مسرح كبير، هكذا هي منذ أن ابتناها المنصور، ثم أضاف المسرح في العراق يمتد 1100 عام ثم صمت وابتسم فلقد كانت هذه الثيمة الأساسية في أطروحة الدكتوراه التي قدمتها كرسالة وتجربة لحياتي، لم يكن الهدف منها، الحصول على الدرجة العلمية بقدر ما أسجل الحقيقة الأساسية أكاديمياً في كون المسرح العراقي يمتد أكثر من 1300 سنة.
أضاف
كان في بغداد في عصر أحد الخلفاء العباسيين 610 مغنيات حرة، وأن أحد أبطال المقامات يمثل أكثر من 150 شخصية في المقامة، ثم انتقل للحديث عن فرق السماجة في عهد الخلفاء العباسيين، وكيف كانوا يحولون أسواق بغداد وسامراء بل وقصور الخلفاء مسارح.
كان حديث قاسم محمد لا يدعو للأمل والتفاؤل فحسب بل ويفتح صدورنا، ويوسع مساحة الضوء أمامنا، هذا أمر في غاية السمو، والترفع حتى من الشكوى، إذ لم أذكر أنه اشتكى من ألم أو أحسسني بضيق المريض حتى وهو في أشد حالات الحرج الصحي.
حديث قاسم محمد ذكرني كثيراً بما ذهبت إليه في أطروحة الدكتوراه التي تحولت إلى كتاب لم يصدر إلا بطبعة تجريبية محدودة، قد يلقي الضوء على كل النقاط التي ذكرها أبو زيدون، أن الأمل يتعدى عند حالة أخي أبو زيدون، إلى الأمل في بغداد التي سترفض كل أشكال الظلام والاضطهاد والقهر، وسترجع تلبس حلتها التي ازدانت بها وافتخرت بنقوشها منذ أن بناها أبو جعفر المنصور وحتى يوم يبعثون.
