«لحظة التآخي» عنوان كتاب جديد للمفكر والفيلسوف الفرنسي الشهير عالميا ريجيس دوبريه. وموضوع هذا الكتاب الأساسي يمكن اختزاله بأنه «التأمل حول ما يوحّد البشر في المجتمعات اليوم.

بتعبير آخر يبحث دوبريه في العلاقة بين «الأنا» الفردية وبين ال«نحن» الجماعية. وهذا ما يصيغه بالسؤال التالي: كيف يمكن ل«أنا» الفردية الممزقة المبعثرة في مجتمعات اليوم أن تجد حس ال«نحن» الجماعية وقوتها؟

ويرى ريجيس دوبريه أن «لحظة التآخي» تعبّر عن مضمونها في عالم اليوم عبر مبدأ «حقوق الإنسان». وهو يناقش هذا «المعتقد المدني الجديد» على أساس أنه «التعبير المعاصر للتضامن الإنساني». لكن مثل هذه اللحظة من التآخي، لا تتحقق، كما يرى، في الشعارات ولكن بالأحرى عمل «العمل اليومي»، هذا في ظل قناعته الثابتة أن «الاقتصاد وحده لا يمكنه أن يصنع مجتمعا».

يقول دوبريه: «إنني لا أزال أتساءل باستمرار: لماذا يعيش البشر معا رغم أنهم ليسوا مهيئين لذلك»؟ وهو يشمل تساؤلاته أيضا الشعار الذي ترفعه الجمهورية الفرنسية والمتمثل في «الحرية والمساواة والإخاء».

أما الحرية فهي مقرونة دائما مع مفاهيم إضافية تلقي الضوء عليها، مثلها في ذلك مثل المساواة، لكن «الإخاء» يتم الحديث عنه وكأنه مفهوم وحيد. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «يقال حرية التعبير والمساواة بين الحظوظ. لكن الإخاء مفهوم وحيد دائما مما قد يعرّضه للنسيان».

مع ذلك يؤكد دوبريه أن «الإخاء» يشكّل اللحمة الحقيقية التي جعلت الفرنسيين بكل مشاربهم وأفكارهم ومعتقداتهم وإيديولوجياتهم يلتقون منذ قيام المجتمع الفرنسي قبل عشرات القرون حول «مجموعة من القيم». هذا في ظل غياب أي «مشروع» آخر مهما كان نوعه، يستطيع أن «يلحم» الذوات ـ جمع ذات ـ الفردية في مجموع واحد. يتم التأكيد في هذا السياق على أن المجتمع الفرنسي، وعلى غرار المجتمعات العربية عامة، يعاني اليوم من تجزئة حقيقية فما كان يشكل خلال القرن الثامن عشر، قرن التنوير، والقرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين لم يعد قائما.موضوع هذا الكتاب هو إذن «الإخاء».

وريجيس دوبريه يوظّف معارفه الواسعة وقراءاته العميقة كي يتحدث عن «لحظات الإخاء» الرائعة وهو ينقّب في التاريخ والفن والأدب كي يجد الأمثلة عليها. وهو يجدها بالفعل ويصفها ويحاول نقل مضامينها ومعانيها ودروسها مهما كان الميدان الذي تبدّت فيه. إنه يجدها في مختلف المنظومات العقائدية والثورية وفي الجمعيات التعاونية ـ الكولخوزات ـ الفلاحية وفي المجتمعات الطوباوية التي سبقت الحضارات الحديثة القائمة.

ويعود دوبريه إلى تلك اللحظات من الإخاء التي عرفتها مسيرة حياته الشخصية، وهو يتحدث في هذا الإطار عن تلك المواقف «النادرة» التي عرف فيها ذلك الإحساس القوي والهادئ بالانتماء إلى مجموعة وحّدها إيمان ما أو مشروع. ويتساءل: «ماذا أصبح عليه أصدقائي في كوبا وبوليفيا وفنزويلا»؟ حيث كان قد عاش فترة من شبابه هناك «ثوريا» متمردا.

ويصف دوبريه عالم اليوم أنه «مأخوذ بالصورة» التي تجعله ينضوي تحت قوانينها، وهي تأخذ بهذا المعنى الدور الذي كان يلعبه السياسة. ويحدد سمات السياسي اليوم بالقول: «إنه يفكر بطريقة تجارية، وبذهنية التاجر. وهو يلائم يوما بيوم العرض مع الطلب وبدلا من أن يتسامى وينطلق نحو الفضاء الرحب يلتصق بأفضل ما يستطيع باستطلاعات الرأي وبالزبائن».

ويعود دوبريه في هذا الكتاب إلى الحديث، وبدرجة ما إلى التساؤل، حول شخصيات سياسية جسّدت اهتمامات عصرها «السياسية» من أمثال كاسترو وغيفارا وميتيران وديغول. ويقول عن فرانسوا ميتيران، الذي عمل دوبريه مستشارا له في البداية بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في شهر مايو من عام 1981، ما نصه:

«جمع فرانسوا ميتيران ـ ذات مساء من شهر مايو 1981ـ جميع أعضاء فريق ديوانه القادم وذلك كي يخبرنا أنه لن يكون هناك أي اجتماع آخر من هذا النوع وأنه من جهة أخرى لم يكن يريد أن يكون هناك ديوان عمليا. هكذا لم يكن بمقدور أي منّا منذئذ أن يقول: نحن، أو أن يعقد اجتماعا في غيابه.

لقد كان يريد التعامل مع كل واحد عبر علاقات متفرّدة عندما تدعو الحاجة». ويدافع دوبريه في بعض الآراء المطروحة في الكتاب عن مسيرته الفكرية وسلوكيته السياسية. هذا ما تعبّر عنه بشكل جيد الجملة التالية: «لقد سمعت غالبا من يقول إنني كنت باستمرار أميل إلى جهة الرؤساء. إن ذلك يعود لقناعتي بمبدأ الفعالية في السياسة. ولهذا السبب أعاني دائما من المشاكل مع المثقفين.

إنهم يعتقدون بإمكانية حل مشكلة ما عبر توجيه رسالة أو توقيع عريضته». وكتاب غني بما ينقله مؤلفه المفكر والفيلسوف ورجل السياسة والأدب والفن عن مبدعين كبار في مختلف الميادين. هكذا يجد القارئ نفسه بحضور فكتور هوغو وبلزاك وتولستوي ودوستويفسكي وشكسبير وفلاسفة اليونان والرومان العرب ودائما بصحبة أولئك «الأقوياء» الذي كان لهم دورهم في توحيد مسيرة العالم.

الكتاب: لحظة التآخي

تأليف: ريجيس دوبريه

الناشر: غاليمار باريس 2009

الصفحات: 367 صفحة

القطع : المتوسط

Le moment fraternité

Regis Debray

Gal limard - Paris- 2009

367.P