في هذا الكتاب الجماعي «مدينة تذوّق الأغذية» بإشراف آني هوك-لاوزن، وجوناتان دوتش، الأخصائيين المؤهلين بأعلى الدرجات العلمية في ميدان التغذية، يتم أولا وصف مدينة نيويورك على أنها تمثل «مغامرة غذائية فريدة في العالم».
ويمكن للفرد أن يتذوّق فيها مختلف صنوف الأطعمة مثل «الجبن مع الكرز» أو «الدجاج المشوي على الطريقة الجامايكية» أو «كل أنواع الحساء على طريقة مختلف أنحاء العالم». باختصار يتم وصف مدينة نيويورك على أنها «ثرية جدا بتراثها الغذائي».
لكن تنبغي الإشارة منذ البداية إلى هذا الكتاب ليس دليلا في الطبخ وطرق تحضير الأطباق «اللذيذة». إنه قبل كل شيء دراسة في «العلاقة التاريخية بين أهالي مدينة نيويورك وغذائهم». وتبدأ هذه العلاقة التاريخية منذ الفترات التي سبقت وصول الأوروبيين إلى «العالم الجديد» عام 1624.
ويجد القارئ منذ الصفحات الأولى توصيفا لطبيعة الأغذية ومختلف أنواع ما كان يتناوله أبناء البلاد الأصليين من فواكه وعصير. ويتم من خلال هذه المقاربة رسم صورة لبشر تلك الفترة وماذا كانوا يأكلون وكيف كانوا يأكلون، وذلك في منظور التدليل على «هويتهم وثقافتهم».
ولا يقتصر الشرح المقدّم في هذا الكتاب على «الأطعمة» بعد وصولها إلى الموائد ولكنه يطال أيضا دورة كاملة تتجاوز ما تتم دعوته ب«الاستهلاك». ذلك أن هناك دلالة «ثقافية» لمجموعة من النشاطات الملحقة مثل جمع المواد الأولية وقطفها وتحضيرها والتعامل معها بعد استهلاكها، وربما إعادة استخدامها والعناصر الداخلة فيها.
كما يتم التأكيد في هذا السياق أن «المهاجرين النيويوركيين جلبوا معهم مجموعة من الممارسات الغذائية من بلدانهم الأصلية ثم قاموا بأقلمتها مع الأرض الجديدة التي يعيشون عليها».
وهذا ما تشرحه آني هوك-لاوزن من خلال التجرية الخاصة لأهلها في الزراعة والقطف وحفظ مختلف الأطعمة، وذلك في فصل يحمل عنوان: «مدينتي الصغيرة: نداء التغذية لفتاة من بروكلين».
ومن الواضح أن هذا الكتاب عن «التغذية وعالم الغذاء» في مدينة نيويورك، رغم تأكيد المؤلفين على سمته العلمية، يتميّز ب«مسحة شخصية» واضحة أيضا. ذلك لسبب بسيط هو أن الحديث عن موضوع ك«الطعام» ينضوي بصيغة ما على «التعبير عن النفس». وهذا ما تتم الإشارة إليه في الكتاب عبر قول أن «صوت التغذية هو شخصي بمعنى ما ولو كان الحديث عنه ينزع نحو ضرورة أخذ مسافة».
وإذا كان مؤلفا هذا الكتاب الرئيسيان، آني هوك لاوزن وجوناتان دوتش، يقدمان المساهمة الرئيسية في الكتاب، فإن هذا العمل يتضمن أيضا مجموعة من المساهمات خصّ بها أصحابها »ثقافة التغذية» في مدينة نيويورك والتي شملت سلسلة من الإجابات على أسئلة من نوع: «كيف وصل فنجان القهوة الأزرق والأبيض المصمم حسب الطريقة الفنية اليونانية إلى مدينة نيويورك»؟
أو «كيف أصبحت نيويورك شهيرة بالخليط الرائع من القشدة والبيض»؟ أو «متى انتشر المطبخ الياباني ؟السوشي- في نيويورك وما هي القوى التي كانت وراء انتشاره»؟
وعديد من الأسئلة الأخرى ضمن نفس الإطار. للإشارة يبلغ عدد المساهمين 21 مساهما من بينهم 11 أستاذ جامعي. إن الإجابات المقدمة كلها تصبّ عمليا في هدف واحد هو «تذوّق تاريخ الأطعمة في المدينة»، مدينة نيويورك.
وتتمثل النتائج الأساسية التي تتوصل التحليلات إليها في القول أن هذه المدينة هي بمثابة «فردوس لمحبّي الطعام ولمتذوقيه»؟ إلى جانب التأكيد أن الوصول إلى التمتع الفعلي بكل ما تقدّمه لا يتطلّب أبدا الذهاب إلى مطاعم حي «مانهاتن» الراقية. بل على العكس يوجد الكثير من الأمكنة لتناول الأطعمة «الممتازة» في الأحياء ذات التجمعات الاثنية المعنيّة. وحتى لو كانت هذه الأمكنة «تفتقر أحيانا» إلى الأناقة والنظافة بالقياس إلى مطاعم مانهاتن.
ويحتوي الكتاب بهذا المعنى نوعا من «المسح الجغرافي» لأماكن التجمع الاثني في مدينة نيويورك. وذلك اعتمادا على «ثقافة التغذية» القائمة فيها.هكذا يعرف القارئ الكثير عن «الخبز الاثيوبي» في نيويورك.
والأمر نفسه عن «مطبخ»العديد من التجمعات الاثنية الأخرى وما جلبته معها من ثقافتها الأصلية وقامت في أحيان كثيرة ب«مزاوجته» مع التقاليد الغذائية المحليّة وكذلك مع «تراث التغذية» الذي حملته معها مجموعات المهاجرين الأولى التي قدمت إلى المدينة واستقرّت فيها. وما يُرى به نوعا من «التثاقف» عبر الأغذية.
الكتاب : عالم الأغذية، الطعام ومدينة نيويورك
تأليف: آني هوك-لاوزن، جوناتان دوتش وآخرون
الناشر: جامعة كولومبيا 2008
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
astropolis, food a
Annie Hauck-Lawson, Jonathan Detsch and
ytisrevinU aibmuloC Pres Paris 2008
368.P
