الكرز فاكهة صيفية وآلان جوبيه، رئيس وزراء فرنسا الأسبق يعترف: «لن آكل بعد الآن الكرز في فصل الشتاء»، كما أعطى لكتابه الصادر في منتصف شهر مارس-آذار 2009 عنوانا، بعد عنوان كان قد اختاره في البداية هو: «تلك السنوات الجميلة».

إن آلان جوبيه يكشف في هذا الكتاب عن واقعة لم تكن معروفة عما جرى له ذات يوم من عام 2005 في مطار جون كندي بنيويورك حيث عومل رئيس وزراء فرنسا الأسبق كـ «رجل خطير مطلوب للعدالة». ويحكي أنه في شهر يناير-كانون الأول من تلك السنة «2005»، وصل إلى مطار نيويورك برفقة زوجته «ايزابيل» التي «تعشق نيويورك»، كما يقول. وكان بانتظارهم في المطار صديق فرنسي كان آنذاك قنصلا عاما لفرنسا هناك.ونقرأ: «وقفت كإنسان منضبط يحترم التعليمات عند الخط الأصفر، أمام كوّة مصالح الهجرة (...) قلّب الموظف أوراقي وأعاد تقليبها وأخذ يكرر الاتصالات الهاتفية (...) ودون أي تعليق، ودون أن يضع خاتمه على جواز سفري للدخول، أعاده لي وطلب مني التوجّه إلى المكتب الرئيسي للهجرة على بعد خطوات والذي يفصل في الحالات المثيرة للجدل. وخلال ساعتين عشت في ذلك المكتب اللحظات الأكثر صعوبة في حياتي».

ويصف آلان جوبيه كيف أن الشرطة الأميركية تعرّفت عليه في إحدى المذكرات التي تتبادلها عادة الأجهزة المعنية بين البلدان الديمقراطية كـ «مجرم خطير». وكان ذلك بسبب حكم كان قد صدر عليه بسبب قضية تتعلق ببلدية باريس حيث كان يومها رئيسا للحزب الديغولي.

الشرطة الأميركية لم تفهم سوى أنه «مجرم» مطلوب للعدالة بل وسألوه طويلا كيف فكّر بالدخول إلى الأراضي الأميركية دون «إذن خاص» كما ينبغي بالنسبة لـ «المجرمين المطلوبين». وطالبته بعدم استخدام الهاتف النقال كي لا يتصل بـ «المتواطئين الخطيرين معه الذين كانوا ينتظرونه في الخارج»، على حد قوله.

ولا يتردد جوبيه في وصف مشاعره آنذاك بالقول: «لقد أحسست بالقلق وبأني أقبع في أعماق سجن أميركي. لكنني شعرت خاصة بالعار. وتذكّرت أنه كان قد جرى استقبالي ذات يوم بكل الحفاوات والمراسم المكرّسة للأقوياء في هذا العالم. وها أنا اليوم أتحوّل إلى مجرد جانح». هكذا يختم كلامه في صفحات عديدة تحمل عنوان «العار».

ويعود آلان جوبيه في كتابه للحديث عن «الأب»، أبيه. ويعود إلى تلك الليلة التي كان معه في غرفة المستشفى حيث كان يحتضر وفي حالة «شبه غيبوبة» كاملة. يقول: «كانت لدي الرغبة في أن أقول له كل ما لم أكن قد قلته منذ 53 سنة (عمره)». ويعرب عن حزنه وأسفه العميقين لتلك «الفرص الضائعة» في التحدث إلى والده.

ويضيف: «فجأة اعترتني رغبة أن أقول آلاف الكلمات وآلاف الحكايات وآلاف الأسرار وآلاف طلبات النصائح كانت تجول في خاطري ولكنني لم أبح بها. يا لها من حماقة!! إنه لم يعد يسمعني، تأخر الوقت. تأخر الوقت إلى حد لا يمكن معه فعل أي شيء. كم أحس بالغليان في داخلي». ويختم بالقول: «لا تتركوا شيئا مما يجول بخاطركم ولا تقولونه لمن تحبون».

وفيما هو أبعد من أشياء الحياة الخاصة يتحدث آلان جوبيه على مدى صفحات جديدة عن علاقته بالرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي. وهو يعود إلى شهر أغسطس 2002 عندما استقبل في بوردو، وهو رئيس بلديتها، ساركوزي وزوجته السابقة سيسيليا .

حيث كانا يمضيان العطلة في منطقة قريبة. وينقل قول ضيفه له آنذاك: «أقترح عليك، وسيسيليا تؤيدني بحماس، أن نعقد ميثاقا وهو أن نعمل معا كفريق. شيراك سوف يكون مرشحا في الانتخابات الرئاسية القادمة وسوف ينهزم. وفي مساء الدورة الانتخابية الثانية ؟

الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجري على دورتين بينهما أسبوعين- نذهب معا إلى التلفزيون، ونقول للفرنسيين أننا سوف نحمل الشعلة معا. معا، أنت في المقدمة، وأنا خلفك، ولن يستطيع أحد مقاومتنا».

وما يؤكده آلان جوبيه هو أنه ذكّر ساركوزي بخسارتهما، هو في الانتخابات التشريعية لعام 1997 وساركوزي للانتخابات الأوروبية عام 1995 وبالتالي سيرى الفرنسيون في تحالفهما نوعا من «جبهة الخائبين».

ويشير جوبيه أن الرئيس ساركوزي لا يزال يذكّره حتى اليوم بتلك الواقعة و«خطئه» في الحكم الذي أصدره، على الأقل فيما يخصّه، أي فيما يخص الرئيس اليوم. كما يؤكد المؤلف القول أن فكرة الثنائي كانت لا تزال تراوده في انتخابات 2007، ولكن «هذه المرة هو في المقدمة وأنا خلفه»، حسب قوله.

ويتحدث جوبيه في هذا الكتاب كذلك عن العدالة ـ القضاء الذي حرمه من ممارسة الحياة السياسية لفترة من الزمن. ويصف هذه «العدالة» أنها «آلية لا إنسانية»، ولا إنسانية خاصة في علاقتها مع الوقت، «وقت الآخرين».

وصفحات عن علاقة جوبيه بالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، ولا يتردد في القول أن «علاقته مع الحقيقة، والحقيقة المضادة، يشوبها الاختلاط. وقد سمعته وهو يردد تأكيدات مدهشة تناقض أخرى كان قد قالها قبل فترة وجيزة». هذا إلى جانب تمتعه بقدرة محدودة من المقاومة خاصة «الأصدقاء».

ويشير جوبيه إلى أنه كرر كثيرا لشيراك القول: «أنت لا تفهم ساركوزي أبدا! ولن تلطّفه عبر تقديم التنازلات. وطالما أنه لا يحس بمقاومة يتقدّم نحو هدفه».

ويضيف: «إنه لم يستمع لي. لكن هل كان يريد أن يستمع أصلا»؟ هذا قبل أن يختم تأكيده أن شيراك كان ثنائي التصرف. نقرأ: «أنا لست متأكدا عما إذا كان في اللحظة التي ينصحني فيها بتحضير نفسي « لخوض معركة الرئاسة- لم يكن يشجّع ساركوزي لمتابعة طريقه. هكذا هو ولا أستطيع لومه على ذلك».

قدّم عدة مؤلفات من بينها: «إغراء البندقية» و«فرنسا بلادي: رسائل مسافر». بالاشتراك مع زوجته إيزابيل. وهناك أكثر من عشرة كتب عن سيرة حياة آلان جوبيه.

الكتاب : لن آكل بعد الآن الكرز في فصل الشتاء

تأليف: آلان جوبيه

الناشر: بلون باريس 2009

الصفحات: 252 صفحة

القطع: المتوسط

Je ne mangerai plus de cerises en hiver

Alain Juppé

Plon - Paris- 2009

252.P