«الملجأ والقلعة»، كتاب جديد للكاتب الأميركي متعدد الاهتمامات جيريمي سيبروك. وهو يعالج فيه بشكل عام المواقف البريطانية حيال المهاجرين وطالبي اللجوء ولمختلف الأسباب إلى بريطانيا. وهذا الكتاب يصدر بمناسبة مرور الذكرى 75 لتأسيس مجلس مساعدة اللاجئين من الجامعيين.

وكان هذا المجلس قد تأسس عام 1933، وقدّم المساعدة منذ ذلك التاريخ حتى عام 2008 لما يزيد عن 9000 من الجامعيين الذين كانوا قد تركوا بلدانهم لأسباب مختلفة ليقيموا في المملكة المتحدة ومن بينهم اولئك الذين قدموا من ألمانيا عند وصول ادولف هتلر إلى السلطة؛ وكذلك الذين قدموا من مختلف بلدان أوروبا الشرقية هربا من الأنظمة الشيوعية التي كانت تسيطر حتى انهيار المعسكر الشيوعي بعد سقوط جدار برلين عام 1989.وجامعيون قدموا أيضا من مختلف البلدان الإفريقية أثناء الحقبة الاستعمارية. وفي السنوات الأخيرة جامعيون جاؤوا من بلدان عديدة في الشرق الأقصى ومنطقة القوقاز وإيران وآسيا الوسطى.

وتتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام، يحمل الأول منها عنوان «لاجئون دارسون» والثاني يلخص المؤلف بتعبير «ثم...» والثالث «حتى...» وأخيرا «الآن». وهذه الأقسام تتناظر في التحليلات المقدّمة مع فترات زمنية متعاقبة.

هؤلاء الجامعيون قدّمت لهم بريطانيا يد العون المادي وأمّنت لهم فرص العمل لكنهم بالمقابل قدّموا لها الكثير. إذ من بينهم أسماء مثل «لودفيغ غوتمان» الذي أحدثت أبحاثه نوعا من الثورة في ميدان معالجة الشلل وساهم في عدد من الاختراعات.

وكارل بوبر الذي أعلن معارضته الصريحة والقوية لجميع أنواع الأنظمة الشمولية، التوتاليتارية وعمل القسم الأكبر من حياته في بريطانيا وكان من بين أحد المصادر الأساسية لاستلهام الديمقراطية اللبرالية النشيطة.

و«ليون سيلار» صاحب الرسالة الشهيرة التي جرى توجيهها للرئيس الأمريكي روزفلت عام 1940، ووقعها ألبير انشتاين نفسه، وطالب فيها بتسريع البحث وتنشيطه من أجل الوصول إلى اختراع القنبلة الذرية قبل أن يسبقهم الألمان بزعامة هتلر إلى اختراعها. وكان هذا العالم هو نفسه الذي ناضل بحماس من أجل نزع الأسلحة النووية.

وما يتم تأكيده في هذا الكتاب هو أن بريطانيا كسبت كثيرا من المساهمات التي قدّمها اللاجئون ـ العلماء إليها من كل المشارب والميادين. ولم تكن الفائدة هي فقط على الصعيدين الفكري والاقتصادي، ولكن أولئك الوافدين تركوا وراءهم أولادا وأحفادا أصبح لهم شأن في التاريخ البريطاني اللاحق على هذا الصعيد أو ذاك.

ومن أبرز الأسماء التي يتم ذكرها، ابن الفيزيائي الشهير نيوتن وحفيدته المغنية اوليفيا نيوتن ـ جوني، ومن بين الأحياء حاليا من السلالة «لويس التون» والد الفنان «بن التون».

ويقوم المؤلف على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب بتقديم رؤية شاملة لتلك الأجواء التي أحاطت بحياة أولئك اللاجئين العلماء. وخاصة ما قوبلوا به من الحذر الشعبي الذي يواجه عامة الأجانب في المجتمع البريطاني. بل ويتحدث المؤلف عمّا هو أبعد من «الحذر» ليصف مشاعر شرائح عديدة حيالهم ب«العنصرية».

ولا يتوقف نقده على الأوساط الدراسية والهيئات التعليمية التي لم تفتح ذراعيها في حالات كثيرة لأولئك اللاجئين، لكنه يستهدف أيضا رجال السياسة ومسؤوليها ووسائل الإعلام التي لم تسمح واقعيا بإجراء نقاش عام على الصعيد الوطني البريطاني كله، حول مساهمة الأجانب في الازدهار الفكري والعلمي البريطاني، وذلك حول حرية التعليم والحريات الفكرية إجمالا.

ومن الأفكار التي يتم التركيز عليها قول المؤلف أن مساهمات الجيل الأول من اللاجئين ذوي العلم والخبرة برزت أكثر من مساهمات الأجيال الحالية والتي خلّفت وراءها «إرثا غنيا من الفكر والإبداع والأبعاد الإنسانية».

أما الأجيال الحالية فإنها تواجه أولا بأول «مشكلة إمكانية البقاء». هذا دون أن تشفع لهم «مواهبهم» في أحيان كثيرة. هذا رغم أن الكثيرين منهم «ينتظرون دائما فرصة أن يُظهروا للبلد الذي يعيشون فيه وتبنّوه كبلد لهم أنهم يستطيعون أن يفعلوا الكثير من أجله«.

وتبيّن المعلومات التي يقدمها المؤلف عن اللاجئين، موضع اهتمامه، أنه قد قام بدراسات وافية ومعمّقة عن الأوضاع التي كانوا يعيشونها في بلدانهم الأصلية، والتي لم تكن تخلو في أحيان كثيرة من القسوة.

ذلك أنهم كانوا في أكثر الأحيان ب«خطوط الجبهة الأولى» من أجل نشر الأفكار التنويرية. وبالتالي كان يتم قمعهم و«كبح» جهودهم العلمية.

ويشير المؤلف إلى أنه قد عرف أيضا أكثر فأكثر عن سياسات بلاده وعن «الإجابات الغامضة والمتناقضة التي يتم تقديمها على آلام الآخرين». بل وينقل عن عدد من الذين تحدث إليهم مواجهة أنهم يحسون أن البريطانيين يكرهون الغير ويعادون صراحة الأجانب. ما يؤكده المؤلف من زاويته هو أن مواطنيه هم بنفس الوقت يهتمون بآلام الأجانب دون الذهاب بعيدا في الاهتمام بهم. وبهذا المعنى بريطانيا هي «الملجأ والقلعة» بنفس الوقت أيضا.

الكتاب: الملجأ والقلعة

تأليف: جيريمي سيبروك

الناشر: بلغراف مكميلان لندن 2008

الصفحات: 288صفحة

القطع: المتوسط

The refuge and the fortress

Jeremy Seabrook

Palgrave MacMillan 8002 nodnoL

288.P