عندما تتهاوى الأعمدة الخمسة التي تحمل سقف واشنطن انطلاقاً من خبرة طويلة توجت بالعمل رئيساً تنفيذياً للتحرير لصحيفة «واشنطن بوست» خلال السنوات من 1991 إلى 2008 يقدم لنا ليونارد داوني اطلالة بارعة على الحياة الصحافية في واشنطن من خلال تشابكها المعقد مع الحياة السياسية والنسيج الشائك لحياة رجال السلطة وجماعات الضغط الذي يشكل سقف الحياة في واشنطن.
منذ البداية، نحن مع الصحافية الشابة سارة بيج المتخصصة في صحافة التحقيقات في صحيفة «واشنطن كابيتال»، والتي تنقل إلى فريق عمل الحياة السياسية القومية بالصحيفة، ومن يعهد إليها بالمشاركة في تغطية السباق الانتخابي الرئاسي بين المرشح الديمقراطي مونرو كيبهارت، سناتور بنسلفانيا الموغل في العمر، والمرشح الجمهوري وارنر وايلي، نائب الرئيس.
ويتصاعد السباق الانتخابي العتيد بحدة، بعد أن تصبح سوزان كاميرون، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا شريكة كبيهارت في السباق الانتخابي. والقراء الذين يتطلعون إلى أوجه الشبه بين سوزان كاميرون، وساره بالين سوف يصابون بخيبة الأمل، ولكن الإمكانية الدرامية التي واكبت السباق الانتخابي الواقعي تحدث بعد وقت قصير من حسم الانتخابات في الرواية.
وعلى امتداد العمل، يقوم داوني بتعرية الفساد على أعلى المستويات في واشنطن، ويوضح كيف أن اعتبارات الأمن القومي تهيمن على كل شيء في أرجاء العاصمة الأميركية، بما في ذلك الهيمنة على العدالة، وتمر الحبكة بحكاية جريمة قتل مألوفة وإن كانت تطوراتها مسوقة وعمليات تغطية على أوجه الفساد، إضافة إلى تجليات الشجاعة الشخصية.
لكن ذلك ليس كل ما هنالك، فنحن نتابع مع سارة بيج تجليات إدراكها أن القليل في واشنطن حقاً هو في جوهره ما يوحي به مظهره، فهي تغطي جوانب مختلفة من العالم المظلم للحياة السياسية، والمال في واشنطن. وهي عندما تشرع في التعمق في الحفر بحثاً عن جذور الأشياء فإنها تجد أن أحد مصادرها يلقى حتفه فيما يبدو أنه جريمة قتل لا سبيل إلى اكتشاف أسرارها، والأمر لا يقتصر على ذلك فالعديد من مصادرها يختفون بلا أثر، وهي نفسها سرعان ما تتحول إلى هدف لعملية تفجير سيارة ملغومة، وتشرع في تلقي مكالمات في ساعات متأخرة من الليل تتضمن التحذير من أنها تشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي.
في غضون ذلك، فإن سارة تصمم على متابعة تحقيقاتها بغض النظر عن المسار الذي ستفضي إليه هذه التحقيقات، وفي الوقت نفسه فإن عدم التزامها الحذر على صعيد حياتها العاطفية يعرضها للمزيد من المخاطر.
وسارة لا تعمل كفارس وحيد في معركة اسطورية، وإنما هي تتلقى المساعدة من العديد من المصادر، ومن هذه المصادر بات سكالي، التي تؤثر التحرك في الخفاء، وهناك أيضاً كيت مورجات ذات الحضور الكبير في مجتمع الأمن القومي الأميركي، وأيضاً كريس كولينز عضو مجلس النواب المتعاون، الذي تتسم دوافعه بالغموض.
وعندما تصل الرئيسة سوزان كاميرون فجأة إلى سدة الرئاسة عقب وفاة سلفها في البيت الأبيض، فإنها تفاجأ بما اكتشفته سارة، فإن مخططات كبار مساعديها، وأيضاً بقاءها السياسي يتصارعان مع واجبها حيال وطنها.
ما من أحد يعرف أكثر مما يعرفه ليونارد داوني عن واشنطن وأسرارها وآليات العمل تحت آفاقها في ميادين السياسة والأمن والمال، وما من رواية تصور بشكل أفضل من «قواعد اللعبة» الأزمات والتوترات بين مصالح رجال الأعمال والسياسيين والصحافة والطرق الغامضة والملتبسة التي تسلكها هذه القوى الثلاث لتحقيق أهدافها.
وخلافاً للقاعدة الراسخة في عالم النشر الغربي التي تؤكد محدودية الاهتمام بالراية الأولى التي يصدرها أي مؤلف، فإن قواعد اللعبة قد خالفت قواعد اللعبة بالفعل ونالت اهتماماً واسع النطاق، لا يمكن إلا أن يكون لافتاً للنظر.
ها هو الكاتب السياسي الشهير بوب وودوارد يبادر إلى تأكيد أن «لين داوني قد ألف رواية عظيمة حقاً حول الأعمدة الخمسة للحياة في واشنطن، الأسرار، الثقة، المال، الجنس والاختيار الأخلاقي.
وشأن كل الروايات المدهشة فإن هذه الرواية تصل جوهر العالم الذي تصفه والشخصيات التي تتناولها. وهذه رواية شديدة الجدية والتألق حول الصحافة وتجليات النفوذ والمصادر السرية والرئاسة».وبدوره يقول شريك وودوارد في الشهرة الصحافي في كارل برنشتايت: «مامن أحد يفهم تقاطع السياسة والصحافة بصورة أفضل من لين داوني، رئيس التحرير العظيم، والآن في هذه الرواية، ها هو يذكرنا بما يشكل تحقيقاً عظيماً وكيف تمكن كتابته.
وهذه الراية وشخوصها لا يمكن أن تظهر في وقت أكثر ملاءمة من هذا الوقت ولا أن تكتسي بأهمية أكبر مما حدث بالفعل».
ويضم السناتور وليام كوهين صوته إلى وودوارد وبرنشتاين، فيقول إن هذه الرواية: «قصة مؤامرة قوية ومذهلة، جريمة قتل وفساد سياسي على أعلى مستويات الحكم. ولين داوني باعتباره رئيساً لتحرير الواشنطن بوست قد ألم بكل شيء عن قوة الافساد النابعة من المال عندما تختلط بالسياسة والحرب، واستخدم هذه المعرفة للمساعدة في صياغة رواية مذهلة».
ولرب قارئ يبادر إلى القول إن آراء هؤلاء الثلاثة، وودوارد وبرنشتاين وكوهين، إنما هي آراء رجال ارتبطوا تقليدياً بالسياسة وعالمها المعقد، ومع أهميتها إلا أنها لا ثقل حقيقياً لها بميزان النقد الأدبي، وهي ربما تعكس نزوعاً إلى مجاملة رئيس تحرير عنيد وهو يمضي إلى عالم الرواية بعد سبعة عشر عاماً أمضاها في منصبه ذي الأهمية البالغة.
ربما لهذا على وجه الدقة فإن من المهم أن نتابع ما طرحته المطبوعات المتخصصة ذات الرؤية النقدية العميقة فيما يتعلق بهذه الرواية.
تشير مجلة «ببلشرز ويكلي» في تناولها لهذه الرواية إلى أنها: «جميلة الصياغة.. حيث يعري داوني الفساد عند أعلى المستويات ويوضح كيف أن الأمن القومي يؤثر في كل شيء على وجه التقريب، بما في ذلك العدالة، وذلك في إطار حكاية مشوقة لجريمة قتل وعمليات تلاعب وتغطية وشجاعة شخصية».
وتقول مجلة «كيركوس» المتخصصة بدورها إن: «الحبكة تمضي إلى مدى أعمق كثيراً من أوجه التشابه الرهيبة بين رواية داوني والتطورات السياسية التي كان يمكن للكرة البلورية وحدها التنبؤ بها.. هناك الكثير مما يبدو حقيقياً فيما يتعلق بالكيفية التي يعمل بها محررو صحافة التحقيقات وكيف تعمل الصحف وكيف يتحرك أعضاء جماعات الضغط وكيف تنطلق الحياة السياسية في واشنطن. ومن المؤكد أن طبقات كشف الحقائق سوف تستهوي القراء».
وتختتم مجلة «إيكونوميست« اللندنية مقالاً مطولاً لها حول هذه الرواية بالقول: «يعد داوني خبيراً بالحياة في واشنطن.. وإذا كانت الشخصية السياسية عنده تميل إلى القاء الخطب بشكل جميل أكثر مما ينبغي والحديث في إطار أطروحات ونقاط للمناقشة، فما على القارئ إلا التفكير في كم هو جميل أن يصل صحافي عمل طويلاً في واشنطن إلى وضع كلمات مناسبة في فم السياسيين».
أياً كان الأمر، فإننا نظل في نهاية المطاف أمام رواية مثيرة ومدهشة بكل المعايير، تستمد أهميتها من أنها تدلف بنا إلى عالم واشنطن الحافل بالأسرار والغموض من خلال معرفة معمقة بالعلاقة المعقدة بين السلطة والصحافة في العاصمة الأميركية.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة أن يقول جون دارنتون مؤلف كتاب «أبيض وأسود وميت تماماً» على هذه الرواية إن «لين داوني يقدم أحشاء العاصمة الأميركية كأنه حانوتي سعيد بمهنته».
الكتاب: قواعد اللعبة
تأليف: ليونارد داوني
الناشر: نوف نيويورك 2009
الصفحات: 346 صفحة
القطع: المتوسط
