يتوقف محمد كامل الخطيب في كتابه « أحمر وأسود وألوان أخرى» عند المئة سنة الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية التي أطلق عليها أحد القياصرة «الرجل المريض»..
ويشير إلى أن القوى التي كانت متسيدة العالم حول الرجل المريض لم تكن تريده أن يشفى كيلا يقاسمهم ثروة العالم، ولا تريد له أن يموت لأنها مختلفة فيما بينها على تقاسم ثروته وتركته.وقد ظهر من أبناء الإمبراطورية العثمانية المريضة رجل إصلاحي فذ هو مدحت باشا (1822 ـ 1883)، إنه واحد ممن أسماهم أحمد أمين «زعماء الإصلاح في العصر الحديث».وقد رأى مدحت باشا أن أساس ضعف الدولة وفسادها هو الاستبداد، فدعا إلى نمط الدولة العصرية التي رآها مجسدة في أوربا آنذاك، وتسودها الديمقراطية وحكم الدستور والقانون والمساواة ومكافحة الفساد وحرية الرأي والعدل.وكانت النتيجة أن قُتِلَ مدحت باشا، وانتصر أصحاب الرأي السائد، وحصل إثر ذلك السقوط المريع في الحرب العالمية الأولى، وبالنسبة للعرب فقد وقعوا تحت الاحتلال الرأسمالي الأوروبي.
يتناول الكتاب قضية الدين على نحو موضوعي قائم على الاحترام، يتناولها ضمن سياق المجتمع والدولة وسيرورة التاريخ. وفي سبيل البحث عن المصطلح يرى أن مصطلح (دولة الإسلام) يعني أن الدولة هي جهاز الإسلام التنفيذي، وهذا لم يحصل في الإسلام إلا في عهد النبوة.. وفي العصور المتعاقبة تشكلت المؤسسة الدينية الإسلامية التي بقيت منفصلة عن الدولة وأعلى منها نظرياً.
هذه المسافة بين السلطان والفقيه وكون الفقيه يشعر أنه الأَولى في فهم الإسلام وحمايته هي التي جعلت أبا حنيفة وأحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام يرفضون تولي مناصب رسمية، بمعنى أنهم لم يدخلوا تحت عباءة الدولة رسمياً، رغم أن للدولة اسماً دينياً في تاريخ الحضارة الإسلامية.
إن المجتمع المدني تعريفاً هو المجتمع الذي يقوم في بنائه التعاقدي وعلاقات أفراده ومؤسساته على اختيار روابط طوعية حرة، يتجاوز لروابط وأسس الثقافة الجماعية والمؤسسات المفروضة على الفرد مسبقاً، سواء أكانت هذه الروابط والتعاقدات طائفية أو إثنية.
ولا شك في أن ترابطات القرية قبل انفتاحها على المدينة والعصر الحديث هي ترابطات ضيقة ومكتفية بذاتها بدءاً من ترابطات العائلة، فالعشيرة والطائفة والقومية وصولاً إلى نوع العمل المحدد سلفاً في القرية.المدينة إذن هي فضاء المجتمع المدني بوصفها وحدة العيش والتفكير، وعناصرها هي التلاحمات الحرة الفردية كالدساتير والقوانين الناظمة.
لقد بدأت طلائع المجتمع المدني في سورية في القرن 19 فكانت أول جمعية من مكونات المجتمع المدني هي «الجمعية السورية للعلوم والفنون 1847» وكانت ثقافية بحتة، تلتها الجمعية العلمية السورية 1868التي كانت غايتها القيام بما يقتضي الحال لانتشار المعارف من علوم وفنون. وكان من شروط الانتساب إليها ألا يؤثر العضو في حساسيات الغير، وألا يتعرض للأمور الدينية والسياسية.
بعد ذلك تأسست جمعيات ثقافية مدينية منها «الجمعية التاريخية»، و«الرابطة الأدبية». ثم بدأ تأسيس الأحزاب، حينما أسس الدكتور عبد الرحمن الشهبندر حزب الشعب 1925، وكا قد تأسس قبل بعام الحزب الشيوعي السوري اللبناني.. ثم تأسست الكتلة الوطنية والحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب البعث وحزب العربي الاشتراكي.
وتأسست كذلك النوادي الرياضية والنقابات والجمعيات الثقافية والصحف والمجلات ودور النشر.كان العقيد أديب الشيشكلي أول من حاول تأميم الحياة السياسية في سورية، حينما ألغى الأحزاب جميعها، وشكل حزباً واحداً هو «حركة التحرير العربي 1952».
وفي سنة 1954 عادت الحياة البرلمانية والحزبية إلى سورية، وسرعان ما بدأت مرحلة الوحدة مع مصر 1958 بإلغاء الأحزاب السياسية وصودرت حرية تكوين الجمعيات الثقافية والنقابية (حل رابطة الكتاب العرب مثلاً) ورفع شعار: من تحزب فقد خان! واعتباراً من سنة 1963 أعيد الاعتبار لمفهوم الحزب الواحد، وأتت الجبهة الوطنية التقدمية كرداء أو غطاء غير مقنع لمفهوم وممارسة الحزب الواحد.
الكتاب: أحمر وأسود السياسة والدين والمجتمع المدني
تأليف: محمد كامل الخطيب
الناشر: خاص دمشق 2008
الصفحات: 100 صفحة
القطع: المتوسط
خطيب بدلة

