تشهد مدينة روما وعدد من المدن الايطالية والاوروبية عدة تظاهرات فنية واحتفالية بمناسبة الذكرى المئوية على اطلاق نظرية المستقبلية، يتصدرها معرضان فنيان كبيران في مدينة روما: الاول في قاعات العرض التابعة للقصر الجمهوري «الكوريناله» تحت عنوان« طلائعية وطلائعيون» وتعرض فيه اعمالا تشكيلية لابرز الفنانين التشكيليين الايطاليين والاوروبيين، اما المعرض الثاني فيقام في قصر العروض الفنية، تحت عنوان «مستقبلية ومستقبليون» .
حيث يعرض 100 ملصق جداري اصلي من اعمال عدد من الفنانين المستقبليين. كما ستشهد روما حفلات موسيقية، وعروض للازياء المستقبلية، ومعارض للمجسمات البلاستيكية للعمارة المستقبلية.
كما ستشهد العديد من الساحات المهمة في المدينة عددا من العروض الموسيقية من قبل فرق محلية وعالمية، إلى جانب عرض الافلام الوثائقية ومعارض التصوير الفوتوغرافي. اما مدينة ميلانو، فستشهد نحو عشرين فعالية فنية وثقافية بهذه المناسبة تتوزع على مراكزها الثقافية وغاليرياتها المركزية المهمة.
قبل مائة عام وبمثل هذه الايام، نشرت صحيفة لوفيغارو الفرنسية، في صدر صفحتها الاولى، بيان الشاعر ورجل القانون الايطالي فيليبو توماسو مارتينيتي الذي يتألف من احد عشر بندا يحث فيه الشعراء على رفض الماضي.
والتغني فقط بمظاهر العالم المعاصر، واحتقار كل اشكال التقليد وتمجيد كل اشكال الابتكار، والثورة ضد طغيان التعابير المطاطة كالتناغم والذوق السليم، معتبرا نقاد الفن بدون نفع او مضللين، مدعيا انه، بذلك، يضع الاسس لثقافة وفنون المستقبل، اي المفهوم الشعري والفني الموجه نحو المستقبل، رافضا كل الفنون السابقة قاطبة.
معتبرا بانها فنون فاشلة ومزيفة، داعيا إلى محوها وبناء فن جديد لايشبه اي فن اخر سبقه، كما انه كان ضد المرأة وحقوقها وحركاتها من اجل المساواة والتحرر، معتبرا المرأة بمثابة تجسيد للضعف والماضي. وقد استقى مارتينتي افكار بيانه من النظرية النسبية التي كشفت عن البعد الزمني الذي يعبر عن الحركة والطاقة.
حيث تنعكس هذه التأثيرات بفن الرسم وبالذات بلوحات مؤسسي هذه الحركة من التشكيليين الايطاليين وعلى رأسهم كل من الفنانين، بوتشوني، سيفيريني، بالا، وكاّرا، حيث تتحدب الخطوط في اللوحة وتتقوس الاشكال، ويكون عنصر الضوء احد المقومات الرئيسية البارزة والذي يستمد مقوماته من الحركة الكونية، اضافة إلى جعل الشكل العام لكتلة البناء في سطح العمل الفني يتحرك بقوة وكانه في صيرورة دائمية.
انطلقت المستقبلية التي تعني خلق التوجهات نحو المستقبل بعد الانفصال عن الماضي، من اجل البدء بثقافة انسانية جديدة، كحركة في الشعر في البداية من ايطاليا، الا ان اثرها سرعان ما كان اكثر شمولا وتبناها بسرعة عدد كبير من الفنانين التشكيليين والموسيقيين ومهندسي العمارة.
كما انها غزت وبسرعة البرق، العديد من عواصم العالم، وعلى رأسها مدينة موسكو، والتي تزعم الشاعر ماياكوفسكي تيارها الشعري. وشملت المستقبلية نشاطات فنية مختلفة كالادب والعمارة والرسم والنحت والتصميم والموسيقى والازياء والمسرح والتصميم الغرافيكي والصناعي.
وتطالب البيانات المستقبلية اللاحقة التي اصدرها عدد من الفنانين التشكيليين الايطاليين، احتقار الاشكال التقليدية التي درج عليها الفن التشكيلي وخاصة الاسلوب الاكاديمي الواقعي الذي درج عليه الفنانون في الماضي، وتمجد في الوقت نفسه كل اشكال الابتكار والثورة على طغيان الوسائل التعبيرية الواقعية التي سادت الفن التشكيلي الاوربي لفترة زمنية امتدت مئات السنين، وتعتبر نقاد الفن بانهم جماعة من المضللين والمشعوذين.
وانطلاقا من رفض الماضي والسلفية والانطلاق للتمسك بمعالم الحياة الحديثة، حاولت المستقبلية في اعمال فنانيها التعبير عن مظاهر الحياة التي بدأت تعج بها الاكتشافات والانجازات العلمية كالسيارة والقطار والطائرة والتليفون وغيرها من الاكتشافات التي حفل بها القرن الماضي في بداياته والتي اذهلت عامة الناس.
لقد اوجد الرسامون المستقبليون للحركة والسرعة سواء في اعمالهم التصويرية او النحتية او الكتابية او الموسيقية، قوة دفع وحافزا للنمو والتوسع السريع في الانتاج، فهم خلقوا اشكالا ممتلئة بالحركة، عكست التحولات التي ادخلها تقدم التقنيات في الوسط الانساني، وما رافقها من تبدل في الاعراف والافكار نتيجة التطور العلمي والفلسفات الجديدة، والتي مهدت بدورها لهذا التطور الكبير في عالم الفنون التشكيلية.
لقد ربط معظم الفنانين الذين انضووا تحت لواء المستقبلية بين الحدث الفني والاراء والقيم الجديدة التي حملها ذلك العصر، معتبرين ان الفنون، هي لغة نوعية مجسدة لرؤية عالم خاص بعصر ما، وقد لجأ العديد من هؤلاء إلى تغليب الطابع النظري الذي تتقدم به الافكار، وعلى الادراك البصري والانفعال، وان تكن وسائلهم قريبة والى حد كبير من وسائل التكعيبيين، الا انهم رأوا في المستقبلية نوع من الوسطية المرغوبة ما بين الانطباعية والتكعيبية، اكثر دينامية، من خلالها سعي هؤلاء لايجاد معادلة فنية حديثة للحركة والسرعة.
وهذا ما يعكس تكرار الخطوط وتنظيم المساحات اللونية المتكررة، والتسجيل الخطي والشكلي الملون المثبت في حقول متتالية الحركة بواسطة القيم اللونية للتعبير عن الارتجاجات التي تحصل للون على سطح العمل الفني الذي يشير إلى الحركة.
وقد انتشرت المستقبلية في عدد من عواصم العالم الغربي وشاعت في روسيا القيصرية والمانيا وفرنسا وعدد من دول اوربا الشرقية، وكانت ممهدا لظهور مدارس واتجاهات جديدة في الفن كالمدرسة الدادائية ومن بعدها السوريالية وهكذا.
فلسفة الوسطية
دعا بيان المستقبلية إلى تجسيد طموحات ثقافية وسياسية ايطالية أوجزها كالتالي :
التغني بحب المخاطرة والتآلف مع الطاقة المنتفضة و ان الشجاعة والجرأة والثورة ستصبح العناصر الرئيسية لطريقتنا في التأويل وأن روعة العالم اكتسبت جمالا جديدا، جمال السرعة، فجمال السيارة هو افضل بكثير من تمثال «انتصار ساموتراس» كما أن الزمن والمدى ماتا البارحة اننا نعيش المطلق لاننا اوجدنا السرعة الخالدة والحاضرة في كل مكان كما أعتبر أنه ليس هناك من جمال سوى في الصراع. ان عملا خاليا من الصفات الاستفزازية لايمكن ان يكون عملا فنيا رائعا.
و دعا إلى مجيد الحروب، فهي المطهر الوحيد لهذا العالم والسعي لتهديم المتاحف والمكاتب وكل الاكاديميات والنضال ضد كل الاخلاقيات، والنسائية وكل حرية تقوم على النفعية والفائدة. و أخيرادعا للغناء للجماهير الكبيرة التي تشيد بالعمل....
موسى الخميسي
