تلعب مفردات الديكور والاكسسوارات والأزياء والإنارة بألوانها وأشكالها دورا مهما في أحياء الفرجة المسرحية، كما انها تحدد الزمان والمكان وطبيعة البيئة التي تدور فيها الأحداث، وتؤشر إلى الأنماط الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الشخصيات المتقمصة من قبل الممثلين.
لقد تطورت فنون الديكور في المسرح وأصبح لها تخصصا اكاديميا، ودخلت في ثنايا، بل صميم اللعبة الإبداعية، إلا ان شطحات، وخيال صناع المسرح ذهب بهذه الحوامل إلى البعيد، ومع جنوح تيارات المسرح إلى التعبير والرمز والتكثيف والاختزال، وصل الحال إلى القول بأن كل هذا عبارة عن «ماكياج» وان الأصل في المسرح هو للممثل وفي دقة اتصاله بالمتفرجين وتأثيره عليهم، وان خشبة المسرح أو منصته هي الأقدر على منح الخيال للمتفرج وتحريكه وتحفيزه، كلما كانت خالية من تلك الجماليات.. وفي السابق كان المسرحي يتعامل مع هذه المفردات منفصلة، فالديكور له مهندسة والملابس لها مصممها والإنارة لها من يديرها ويضع لها الخطوط العريضة.. إلى أن خرج علينا مفهوم السينوغرافيا الذي جمع المفردات كلها وأضاف لها حتى الهواء الذي يختزنه فضاء العلبة المسرحية،، فدخل أيضا الممثل وحركة الجسد كنوع من النحت في الفراغ. فأين ذهبت السينوغرافيا بالمسرح في عصرنا الحالي؟
في كتابه الشهير «نظرية العرض المسرحي» يقول جوليان هلتون: أن النظرة الطبيعية إلى الديكور قد تولدت من رغبة في إصلاح مسار المسرح وتحويله إلى مكان يدفع المتفرجين إلى تأمل الوضع الإنساني وتحويله إلى مكان يدفع المتفرجين لتأمل الوضع الإنساني تأملا صادقا وجادا، لكن النتيجة جاءت عكسية من ناحية الأثر الجمالي، فبدلا من أن يشحذ الديكور الطبيعي خيال المتفرج للتأمل والتدخل في تفسير الأحداث،قام بإقصائه تماما وحول المتفرج إلى عنصر سلبي.ويشير هلتون إلى أن الموقف الشكسبيري يضع خيال المتفرج من ثم المكان المسرحي المتخيل في الصدارة، بينما يتطلب الموقف الطبيعي أن يكون الديكور صورة ناطقة فصيحة تقنع المتفرج بصدقها من خلال دقة التفاصيل البصرية والصدق في تصوير البيئة، ويضيف هلتون، أن سألنا إي الموقفين أصلح لتلبية حاجات المسرح فلن نجد إجابة مطلقة لهذا السؤال.
فتاريخ المسرح يحفل بأنواع مختلفة من المسرحيات تستخدم أنماطا منوعة من التقاليد المسرحية، لكننا إذا تأملنا هذه القضية في الإطار العام الشامل لتاريخ المسرح فقد يتضح لنا أن انتصار المنظر المسرحي المرسوم والمهمات المسرحية الواقعية منذ منتصف القرن السابع عشر وبعده وحتى عهد قريب كان أمرا ضروريا وحتميا لتطوير وبلورة جماليات الصور المتحركة من خلال المسرح تمهيدا لظهور الفيلم، وان قادت هذه العملية المسرح إلى طريق مسدود. مصممة السينوغرافيا اللبنانية شادية زيتون، واحدة من المسرحيين العرب الذين كرسوا حياتهم ودراستهم واهتمامهم في إلقاء المحاضرات وإقامة الورش الفنية لمجموعات من الشباب بغرض التأهيل والتدريب على فن تأثيث الفضاء المسرحي بمتطلبات العرض وتفسيراته، لها آراء عامة وخاصة في مفهوم السينوغرافيا ووجهة نظر تجاه التوظيف المسرحي لها في العرض العربي..
تقول شادية زيتون: انطلاقا من المفهوم الشامل للمسرح، فإن الآراء تتباين حول المفهوم الصحيح للسينوغرافيا، ومن خلال اطلاعي ومتابعتي ودراستي لهذا التخصص مازلت اشعر أن التناول العربي له مازال يقع في أخطاء واضحة، والأمر يعود إلى أهواء المخرجين العرب.
فالمخرج يحاول تكريس وجه نظره في العرض المسرحي، وهي التي تشكل عائقا، فالعرض المسرحي لا يكتمل إلا بتناغم العناصر التي يتشكل منها،النص،رؤية المخرج، السينوغرافيا، والتي هي مهمشة وللأسف..، نعاني كثيرا من سوء فهم مفهوم السينوغرافيا،وهذا لا يعني إني أقول إنه لا يوجد مخرجون لم ينجحوا أيضا..
نجحوا في توظيف السينوغرافيا المطلوبة لعروضهم؟
نعم..لدينا تجارب ناجحة في الوطن العربي لمخرجين أفسحوا المجال إمام مصمم السينوغراف ان يقول كلمته، ويكمل اللعبة مع المخرج..أنا لم اقصد انه لا توجد لدينا تجارب جيدة، لكنها قليلة، وبالرغم من ذلك مازال الفهم لدور السينوغرافيا ومفهومها ضبابيا عند الكثيرين.
هناك من يستعرض السينوغرافيا كبطولة في العرض المسرحي قد تمسح جهود الممثل وتلغيه؟
برأيي المتواضع، الممثل صاحب القدرة الخلاقة، قادر أن يستخرج ما بداخله، أن يوصل، لماذا استقطع منه هذه الطاقة الخلاقة؟، المكان مهم، الإنسان ابن بيئته، وليس بتأطيره بالإبعاد الهندسية، هذه البيئة قد تتجسد عبر اللون والكتلة والفراغ.
وهذه تساعد الممثل على العطاء.. الفضاء السينوغرافي لا يعني جملة كتل، والاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا.. السينوغرافيا، فن وعلم، والعلم لا يمكن التلاعب معه، السينوغرافيا لها عناصرها وعلى المخرج أن يفهمها ويعي دورها جيدا، وإذا امتلك المخرج حسا تشكيليا كان ذلك أفضل..
بعضهم يجد في الديكور خلفية ثابتة تعمل على تسكين خيال المتلقي ولا تحيله إلى ممارسة الخيال، وبدأ من أقصى الديكورات باعتبارها زوائد.. أليس منطقا فنيا يمكن وضعه في الاعتبار؟
في القرن السابع عشر تضاعف شغف الانجليز في الإقبال على عروض المناظر التصويرية التي سيطرت على المسرح حوالي ثلاثة قرون وعلى الممثل ضياع فرصة التفاعل من خلالها أو التعامل معها لكونها مجرد رسومات فقط، علما أن اغلبها كانت تعكس المكان والزمان.
ومن المسلم ان القدرة الخلاقة الكامنة داخل الممثل تعتبر المرتكز الأساس لتحقيق الوظائف الجمالية الدرامية لجسده في الفضاء الدرامي ولكن لا يمكن لهذه القدرة وحدها أن تحول هذه الوظائف إلى لغة تعبيرية تتيح له فرصة التواصل من خلالها مع جمهور العرض بعيدا عما يحفز ويفعل حواسه البصرية والسمعية والحركية والحسية.
إن التحولات التي عرفها المسرح في علاقته مع السينوغرافيا منذ المسرح الإغريقي ولغاية اليوم جعلته ينتقل من ممارسة تخليق النص إلى توليد المعنى وهذا ما أدى إلى تبلور الآراء حول مفهوم السينوغرافيا وكيفية استخدامها ومدى أهميتها في العرض المسرحي، إلى أن أخذت حيزا مهما في منتصف القرن العشرين باعتبارها تشكل وسيطا فاعلا في فضاء ومساحة العرض.
وكونها باتت ركيزة أساس في قراءة المخرج وتحديد المخرج الذي يملك حسا تشكيليا يترجمه في تلوين الفضاء المسرحي جاعلا من عناصر السينوغرافيا معادلا تعبيريا ومؤثرا في الموقف الدرامي وفي الحدث الدرامي أيضا، بهدف تفعيل عامل الخيال لدى الممثل والمشاهد معا.
ما زال مفهوم السينوغرافيا يتشعب ويكاد يمتلك كامل اللعبة على خشبة المسرح، بل كل ذرة في محيطها.. فصار الفضاء أيضا ملكا للسينوغراف وبالتالي دخلت الإضاءة على الخط مثلما دخلت الأزياء وإيماءات الممثل..أليس هذا يعني أن العرض هو لعبة السينوغرفيا فقط؟
السينوغرافيا معطى يتوفر للمخرج المبدع، تسمح له ان يتعامل مع أدواتها ومفرداتها بطريقة متكاملة وليست مجزأة، ولكن استخدام المخرج للعناصر في طغيان عنصر على آخر يفقدها توظيفها الدلالي والجمالي وتغييبه عامل الإحساس بالزمان والمكان يفقد عامل الخيال، السمة الأساس في العرض لدى الممثل والمتلقي معا.
إن الإطار المكاني المتمثل بالديكور يشكل العنصر الأساس في السينوغرافيا حيث تتأسس عليه وتنطلق منه القيم الجمالية التعبيرية عبر الضوء واللون والخط والكتلة والفراغ والمساحة والحركة.
وهو ليس المكان الذي يحمل الأبعاد الهندسية، لكنه المكان الذي يكثف الوجود ويحتدم داخله الزمن والعدم والتأويل.. يقول مايرهولد: «أن أهمية الديكور بتحويله إلى جهاز حركي يمنح قوة الارتكاز لجسد الممثل فيغدو الديكور عنده آلة لعب تنعش كل أبعاد الفضاء..».. في السينوغرافيا الموظفة لا يمكن اعتبار الديكور عنصر تزيين وتجميل فقط، وإنما عنصر إبداع تعبيري حين نستخلص من خلاله مفرداته ما يمثل جوهرا جرى فيه ما يعكس حركة التاريخ والمجتمع والثقافة.
وماذا عن الممثل.. الأداة أو العنصر في الفضاء المسرحي، أو فضاء السينوغرافيا؟
بقي العجز قائما حول أداء الممثل وإمكانية تحويل جسده لغة تعبيرية برغم تعدد النظريات السابقة وستبقى النظريات الآنية عاجزة ما لم يتم الإدراك بأن أداء الممثل لا يمكن أن يجسد هذه اللغة ضمن فضاء السينوغرافيا يحدد بأسلوب حسي تشكيلي الخط الرمزي بين الحقيقة والخيال وبين المرئي واللامرئي بواسطة المدركات التشكيلية والموضوعية والجمالية التي تحققها سينوغرفيا تتشكل من الديكور الذي ينتج العلاقة التفاعلية بين الممثل والمكان.
ومن الإضاءة في حركتها مع لغة الجسد وفقا لإيقاع العرض المتلازم مع الإيقاع المرتكز على الزمن الموسيقي في التعبير الدلالي وفق الإطار الموضوعي، ومن الموسيقى بوظائفها السيكولوجية والاجتماعية وترجمتها الوظائف النفسية في نموها وبنائها وتشكيلها لذروة الانفعال وقمة التعبير.
عبر مسيرتها ومشوارها مع العديد من التجارب المسرحية التي نفذت لها الفضاء السينوغرافي تخلص نادية زيتون إلى حقيقة تعترف بها وهي تقول: لابد من الاعتراف أن البنية الإبداعية التي تحققها السينوغرافيا في المسرح بإنتاج التناغم بين عناصرها المتمثلة في الخط الضابط لعملية التواصل بين مختلف الأشكال الناتجة عن تداعياته والمتفاعلة ما بينه وبين اللون.. هذا العنصر التصويري والتعبيري والمساهم في التواصل البصري مع المشاهد.
لعبة المسرح
مازال مفهوم السينوغرافيا يتشعب ويكاد يمتلك كامل اللعبة على خشبة المسرح، بل كل ذرة في محيطها.. فصار الفضاء أيضا ملكا للسينوغراف وبالتالي دخلت الإضاءة على الخط مثلما دخلت الأزياء وإيماءات الممثل.
شادية زيتون في سطور
* حاصلة على دبلوم في الهندسة الداخلية، السينوغرافيا بروكسل.. بلجيكا.
* قامت بتصميم السينوغرافيا للعديد من الإعمال المسرحية والمسلسلات التلفزيونية منذ العام 1975 وحتى الآن.
* عضوه نقابة الفنانين المحترفين في لبنان، عضو مستشار في مجلس إدارة نقابة الفنانين المحترفين في لبنان،.
*نالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير في مهرجانات عربية وعالمية.
مرعي الحليان


