تأتي رواية الطاهر بن جلّون «تلك العتمة الباهرة» في مقدّمة الروايات التي عالجت أدب السجن في مطلع السبعينيات، فتعمل على تبيان عقلية السلطة الانتقامية التي تذهب بعيداً في إجراءاتها العقابية اللاإنسانية لأولئك الذين اختلفوا معها، فترمي بهم في غياهب السجون .
أحد الناجين الـ 28 من أصل 58 معتقلاً ويسمّيه بن جلّون عزيز، سوف يسرد حكاية هذا السجن الرهيب مركّزاً بشكل دقيق على عنصر المواجهة التي ظلّت مستمرة طوال تلك الأعوام ما بين هذه الأجساد الشبحية التائهة في متاهة «تازما مارات» وما بين السلطة، وإلى ذلك فإن الصراع سيكشف عن مدى الرغبة الكامنة لدى الطرف الأقوى في وضع عدوه بحالة من الانكسار الدائم، كي يدرك الآخرون في السجن الكبير الذي يتسع كل الدولة مدى قوّة السلطة، وما مقدار فاعليتها العقابية في حالة الاعتراض على نظامها المستبد.في مستهل الرواية كان لابد للسارد من رصد حالة الإظلام العام لسجن «تازما مارات» وشعور المسجونين أنهم في قبر حقيقيّ: 3 أمتار في متر ونصف بارتفاع متر ونصف، من الأسمنت البارد شتاء الملتهب صيفاً.
وقد ترك لكل زنزانة كوّة صغيرة لا يتجاوز قطرها العشرين سنتمتراً كي يتنفسوا من خلاله، وقد عبر السارد عن كل ذلك قائلاً: الليل سيكون صحبتنا، ومرتعنا، ومعالمنا ومقبرتنا.. ما كان الليل يهبط، كما يقال، بل كان هناك مُكتنفاً طوال الوقت.. كان الليل كسوتنا، لا أثر لنور، لا أثر لبصيص ضياء.. كانت صورنا ظلالاً متنقّلة في العتمة.. كنا نحن الليل.
وعلى هذا النحو من السرد المؤثّر سيعمل السارد على رصد حيوات 58 سجيناً وكيفية تأقلمهم في هذا القبر الإسمنتي مع بطانيتين اثنتين، لا تقيان الأجساد من قسوة البرد، ولا من قسوة النوم على الإسمنت لتبدأ مسيرة الآلام أو كما عبر السارد «كانت لنا خيارات التفضيل بين وجعين، ولكن ليس حقاً، فقد كان على الجسم كلّه أن يتوجّع. كل جزء منه بلا استثناء، والقبر قد أعد بحيث يتلقّى الجسم ضروب العذاب الممكنة، وأن يكابدها بأبطأ ما في البطء، وأن يبقى على قيد الحياة لكي يسام عذابات أخرى».
بمعنى أن هذه التقنية العقابية سيكون مخطط لها بدقة من قبل السلطة الساعية إلى إعادة تعريف الجسد اللاإنساني وفق مشيئتها لا مشيئة الربّ: الجسد الراكع أو الزاحف لـ «الآلهة الجديدة» التي تسعى لهندسة وضبط المجتمعات وفق مشيئاتها، وبدلاً من العقاب الأخروي، سيكون السجن بدرجاته المتفاوتة المؤسسة التي ستعينه في تحقيق الانضباط المطلوب، بينما أولئك الذين في خارجه سيكون عليهم «الحمد والتسبيح والشكر» لـ «آلهة الانتقام» هذه طالما هم بمنأى عن العقاب الجسدي المباشر.
وهي نعمة سيدركها من يقبع في السجن الذي يفتقد أبسط التوافه اليومية من الحمام الصباحي والوقوف أمام المرآة وحلاقة الذقن وتنظيف الأسنان وغير ذلك مما هو معتاد من تفاصيل صغيرة في الحياة: «الحياة أصبحت وراءنا، لقد انتزعنا من الحياة، لقد لبثت الحياة عند الجهة الأخرى منم السور المزدوج الذي يطوّق المعسكر، ولا بدّ أن التخلّي عن عادات الحياة يتطلّب دربة ومراساً، كأن نتعلّم مثلاً أن الأنهر والليالي قد تمازجت، وأنها تتشابه في كفافها المقيت، تخلينا عن أن نكون كما كنا في السابق: أن نستيقظ صباحاً ونحن نفكّر في النهار المقبل».
وإذا كان فوكو تناول السجون في مجتمعات الحداثة الغربية، إلا أن المقايسة من حيث جحيم المعاناة ستكون كبيرة جداً، وإن كان الهدف من السجن في النهاية واحداً ويتجلّى في صناعة الإنسان المنضبط، إلا أن الطغاة في الشرق المضنّى بالاستبداد وتوابعه أسسوا لفكرة العقاب كوسيلة وحيدة لديمومة الدولة التي يرأسونها، ومثالها أولئك المحكومين في سجن «تازما مارات» أو غيره من السجون الكثيرة والشهيرة التي بها يتم التحكّم في الشعوب، وعلى هذه الشعوب أن تعلم أنه ليس عليها سوى الطاعة وعدم إثارة السلطة، فتتجنّب بذلك عقابها.
في الختام، سوف يذكرنا كتاب «تلك العتمة الباهرة» على الدوام، بأولئك الذي أمضوا سنين طوالاً في غياهب السجون في المشرق العربي، وبذلك ستتكامل الرؤية العقابية على نحو وحدوي أكثر من تكاملها الاقتصادي والثقافي، نظراً لأن الإنسان العربي مازال يعاني من نظام الاستبداد ومن ضياع حقوقه الدستورية والقانونية.
إلا أن نظام المعتقلات بالرغم من كل عنفه لم يتمكّن من هزيمة الجسد بشهادة سارد الرواية، وزملائه الثمانية والعشرين الذين بقوا على قيد الحياة، وبالتأكيد سيروي هؤلاء حكاية سجنهم كما فعل عزيز، كي تعرف البشرية ما يجري في بلادنا من تجاوزات لحقوق الإنسان، وما هي طبيعة السلطات فيها!
التخطيط والدقة
ان التقنية العقابية سيكون مخططا لها بدقة من قبل السلطة الساعية إلى إعادة تعريف الجسد اللإنساني وفق مشيئتها لا مشيئة الربّ: الجسد الراكع أو الزاحف لـ «الآلهة الجديدة» التي تسعى لهندسة وضبط المجتمعات وفق مشيئاتها، وبدلاً من العقاب الأخروي، سيكون السجن بدرجاته المتفاوتة المؤسسة التي ستعينه في تحقيق الانضباط المطلوب.
عزت عمر

