الرواية العربية ورغم الانجازات المهمة الأخيرة وظهور العديد من الأسماء التي قدمت روايات مهمة وجميلة ولكنها ومع ذلك ليست على ما يرام، وبعيداً عن هذه المسألة فإن هنالك الكثير من الأسئلة المطروحة حول وضع الرواية وخصوصا الرواية البوليسية العربية وما سر غيابها؟
وهل لذلك علاقة بحالة الانغلاق التي تعيشها المجتمعات العربية رغم العولمة وثورة الاتصالات والانترنت وبالتالي الا يتحمل الكاتب العربي قسطا من المسؤولية، وهل يقوم بدوره في ارتياد آفاق جديدة كما يطالب ويطلب دائماً. ثم الا يشكل غياب القانون والحريات المعتقلات الرهيبة والقمع وكم الأفواه مادة خام لكتابة ملاحم بوليسية. ثمة تجارب مبعثرة هنا وهناك ولكنها لم تؤسس بعد لحالة روائية واضحة ومحددة الملامح والإحداثيات، عن أبعاد هذه القضية الهامة حاول «مسارات» الوقوف على آراء عدد من الكتاب والروائيين، واستجلاء خلفياتها التي تقف حائلا في وجهه. الروائي المصري رؤوف مسعد يرى أن الرواية البوليسية العربية غائبة لأسباب تتعلق بالثقافة العربية ككل. أي برؤية «الثقافة العربية» للعالم.
الرؤية «الثقافية» العربية للعالم كانت رؤية قبائلية .اي انتمائية ضيقة، اما بعض الأسباب الأخرى المتعلقة ايضا بالثقافة العربية؛ فهي ان الرواية البوليسية لها بناء هندسي منطقي خاص بها. وان عقاب «الشرير» هو عقاب هنا في الدنيا وليس مؤجلا للآخرة.
ويتابع رؤوف مسعد قوله: إن هندسة الرواية البوليسية الغربية؛ هي نتاج رؤية الثقافة الغربية للعالم والكون؛ خاصة بعد الاكتشافات العلمية التي ساهمت بشكل اساسي في فصل الكون عن عالم ما وراء الطبيعة «الغيبي» فالأرض تدور حول الشمس وليست هي مركز الكون كما كانت الماورائيات الدينية تقول.. هذه الرؤية «الهندسية» متناقضة بشكل اساسي مع الرؤية العربية الثقافية للعالم والكون. فالثقافة العربية التي ورثناها هي ثقافة الشعر والقصيدة.
ثقافة المبالغة والمغالاة واللا منطق «متى بلغ الوليد منا فطاما.. تخر له الجبابرة ساجدينا» او قول عنترة يصف السيوف في المعركة كأنها ثغر عبلة! هذا جميل وعاطفي شعرا .. لكنه لا يصمد امام المنطق البارد الذي يحكم الرواية البوليسية ولا هندستها العقلية.
كذلك تعتمد الرواية البوليسية على إحياء الغرائز الاساسية البشرية والتعامل معها كأمر مسلم به (بدون الاحالة الى الشيطان او ابليس كمحرك للشر في العالم) غريزة القتل.. وغريزة حب التملك.. فمعظم الروايات البوليسية تكون غريزة القتل فيها «سيكوباتية» متعلقة أيضاً بالجنس وبالفيتشيزم. اي «جنون» القاتل وسيطرة بعض اجزاء من عقله باهتمامها ببعض ما للنساء او الرجال من اعضاء جنسية وعلاقته الفيتشية بها والسادية او المازوخية .
هنا يقف العقل العربي عاجزا امام هذه المتغيرات العلمية الحديثة والمتعلقة اساسا بالجنس وبميكانيزم الغرائز التي اشرت اليها.
لا تنسى ان الرواية العربية مشغولة ـ حتى الآن ـ باليومي السياسي العربي. بالصراع العربي الاسرائيلي. بالصراع الطبقي. وببعض السيرة الذاتية وكثير من الجنس؛ في محاولة للخروج من الأطر السابقة: اطر المهمشين والصراع السياسي والطبقي.
ويرى صاحب «بيضة النعامة» انه من الأهمية «تنوع» انماط الرواية.. أي خروجها من المألوف التقليدي الذي كان سائدا حتى الثمانيات.. لكنها ستظل بعيدة عن عالم الرواية البوليسية بمفهومها المعاصر؛ لعجز المؤلف العربي (أمام ما اشرت اليه) ولحيرته بمواجهة التجديد في كافة فروع المعرفة (ولم أقل العلم.. بل المعرفة) فليس مطلوبا للروائي العربي ان يكون «عالما» بل «عارفا» بما يدور حوله.
وستجد هذه المتغيرات ايضا في عالم السينما. في الماضي كان «المجرم» شخصية قبيحة المظهر.. لكنه اصبح الآن شخصية عادية مثلي ومثلك!
لعل اجيالا جديدة من الروائيين العرب يستطيعون العبور من شواطئهم الى شواطيء جديدة.
حاولت انا منذ بضعة سنوات كتابة رواية بوليسية.. لكن بعد ان وصلت الى منتصفها اكتشفت عجزي عن اتمامها!
رحم الله كاتبا عرف قدره
أما الكاتب والناقد العراقي المعروف شاكر الانباري فيلخص غياب الرواية البوليسية الى « انه من النادر جدا أن تسمح أجهزة الشرطة، في معظم البلدان العربية، بنشر القضايا الجنائية والجرائم التي تحصل في المجتمع. سبب الرقابة يمكن التكهن به، من خلال ادراك ما يحكم عقلية تلك الأجهزة من سرية، وتعتيم على الواقع، وتضليل حول القيم الأخلاقية والدينية.
هذا رغم ما يعرف عن بلداننا من فساد وتفسخ أخلاقي. هناك جرائم لا تصدق تجري كل يوم. اغتصابات، سفاح، تزوير، تهريب، صفقات غير شرعية، جرائم قتل، خيانات. وكل ذلك نادرا ما يظهر الى العلن، أي في الصحافة الرسمية وغير الرسمية. وهو جزء من القمع المبرمج للحياة كما هي، وللغة العربية كي لا تقترب من تفاصيل تلك الحياة.
حيث يراد لها أن تظل لغة انشائية، مؤدبة، نقية، وقاموسية. وما اصطلح عليه بالقصص، أو الروايات، البوليسية ينشأ من بيئة يرى الفرد فيها نفسه ومجتمعه بوضوح. فثمة في كل مكان عالم باطن، خلف الايقاع اليومي، هو ما تستثمره تلك القصص والحكايات. ذلك العالم الباطن مقموع بدرجة كبيرة في بيئاتنا العربية، وهذا ما أبعده من التجلي في النصوص. أي في اللغة المكتوبة، ابداعية كانت أم صحافية.
نمط الكتابة البوليسية لدى الكتاب الأوروبيين هو نمط مختلف، وله قواعد وأصول وبنى سردية محددة. القصص العربية التي تحمل «روحا» بوليسية لا يمكن تصنيفها على أنها كذلك. تظل القصص والروايات العربية محملة بروح أدبية وفنية تقتل القص البوليسي، باعتباره نصا متوترا ويمضي الى حل «اللغز» دون عثرات.
المفارقة أن بنية القصة أو الرواية البوليسية، تركز، وتهتم بالتفاصيل، فهي ما يحل عقدة الحدث، عكس ما ينقص معظم الروايات العربية، وهي عادة ما تكون مشغولة بسعيها، منذ البداية وحتى النهاية، في ملاحقة العموميات.
أوضح مثال على اعطاء أهمية للتفاصيل هو روايات أجاثا كريستي، وجورج سيمنون. وثمة روايات غرائبية إلا أنها ليست بوليسية، ويحضر هنا رواية أبطال وقبور لإرنستو ساباتو، والمسخ لكافكا واسم الوردة لإيكو، وثلاثية نيويورك لبول أوستر، وبعض من روايات ساراماغو، دون نسيان الأرجنتيني الفذ لوي بورخس، فضلا عن عشرات من الروايات العالمية.
وعلى الصعيد العربي هناك روايات الموريتاني موسى ولد إبنو «الحب المستحيل»، رغم أنها تندرج ضمن الخيال العلمي، بطريقة ما، وأعمال اللبناني رشيد الضعيف الذي يقترب من نمط الروايات البوليسية، من حيث وجود «لغز» يسعى شخص ما لمعرفته، وتجسد ذلك بوضوح في روايته «ليرننغ انغلش» و«تصطفل ميريل ستريب». ورشيد الضعيف يتكئ الى التحليل النفسي لشخصياته، والى استبطان دواخل بشرية تتحرك في محيط المدينة، أكثر مما يتكئ على حركة الأحداث المتواترة، والحوارات الكاشفة عن المضمر.
ويؤكد الانباري أن القصص البوليسية هي مغامرات عقلية قبل كل شيء. مغامرات خيال حر لفرد حر، لا يعيش حالة قطيعية، سواء كان كاتبا أو قارئا.
ويختم الانباري كلامه بالقول : إن الروايات العربية والقصص ذات «الروح» البوليسية لا يمكن تسميتها بأدب بوليسي أو خيال علمي، كونها تمتلئ أحيانا بالتحليل والسرد الإنشائي وبلاغة اللغة العربية. تفتقر لما يمكن تسميته بـ «المعرفة»، أي أنها أدب لمجتمع غير تكنولوجي. الروح العلمية هاربة، وثمة وفرة للخرافة واللا يقينية واللاتحديد.
ومع وجود قارئ معتاد على البلاغة والإسهاب والقدرية والثقافة القطيعية، يصعب ابتكار لغة بوليسية في الكتابة. كما يصعب ابتكار جو بوليسي، خاصة في فضاء مجتمع مغلق كالمجتمع الشرقي عموما. فأغرب القصص البوليسية تدور في الحقيقة وسط أروقة السلطات العربية، وفي أجهزة الأمن والمخابرات والتنظيمات الميليشياوية وعصابات القتل والتزوير والمخدرات.
وهذه حقول لم تتناولها سوى روايات عربية ضئيلة العدد. يمكن ذكر بعض روايات الكاتب السوري فواز حداد، والعراقي زهير الجزائري (الخائف والمخيف) وفاضل العزاوي (الأسلاف). حتى نثار القصص والروايات التي حاولت أن تكون بوليسية جاءت صدى للكتابة الغربية، وسيناريوهات الأفلام القادمة عبر السيديهات والسينمات والشاشات الفضائية، ولم تنبع من حاجة حقيقية لمجتمع عربي.
في حين ترى الكاتبة السورية منهل السراج: أن الرواية البوليسية تكتب لشعب آمن ومرفه وحر، ولاتكتب لشعوب مأسورة ومهددة دائما بالحروب والكوارث. شعوب بلادنا عاشت ومازالت تعيش تحت هذا الضيم. يمكننا أن نقول إن إنسان بلادنا يعيش قصة بوليسية بأحداث متجددة يومياً. أخبار القتلى والقتلة تملأ رأسه، قتل من الطائفة الفلانية مئة ومن الطائفة العلانية خمسون.. في انفجار انتحاري راح مايقارب الستين قتيلاً ومئتي جريح.. الخ..
وأضافت: موضوع الكتاب لا يمكن أن ينفصل عن كاتبه، فكراً وذاكرة وشعوراً وبيئة. وأظن أنه من غير العدل التخلي عن كل هذا، وتستطرد قائلة كيف لنا ككتاب لانملك من وسيلة للدفاع عن حق الإنسان بالحرية والأمن أن نترك كل هذه الموضوعات التي تحدث في الواقع ونلتفت لنؤلف وقائع قصة بوليسية. القاتل مهووس نفسياً مثلاً. كما نقرأ عادة في الأخبار الأوروبية.
ثم إن كتابة الرواية إن كانت من سيرة ذاتية أم من سيرة مدينة وشعب يمكن أن يكون أيضاً بلغة جذابة تمتع القارئ وتشده بأحداثها ولا تنفره.
وتختتم منهل السراج كلامها متسائلة: لماذا لاأجرب أن أكتب الرواية البوليسية؟ وتجيب: لأن همي لاينفصل عن خيالي. وخيالي الأدبي لاينفصل عن ذاكرتي، هو خلاصة لكل ماعشناه ومانعيشه.
كيف للكاتبة المرأة أن تهمل قصة قتل فتاة أحبت من غير دينها وتكتب عن قصة بوليسية حدثت في إحدى ضواحي ستوكهولم. لا أظن أن صدقها الفني سيقودها إلى الأخيرة بل سيقودها إلى مايلامس أعماقها ويحرك حسها الكتابي. خيالها سيقودها إلى ضيعة تلك الفتاة وإلى صورة تلك الفتاة التي قتلها أخوها المنهك أيضاً قهراً وذلاً.
الكاتب الفلسطيني المعروف محمود شقير يقول :لم أكن في أي يوم من الأيام محبذاً للرواية البوليسية أو راغباً في قراءتها، حتى أغاثا كريستي التي كانت مشهورة في هذا النوع من الكتابة، فإنني لم أقرأ لها سوى رواية أو اثنتين. وفي الوقت نفسه، فإنني لم أفكر بتاتاً في كتابة قصة أو رواية بوليسية.
ربما كان ذلك راجعاً لمزاج شخصي، وربما كان مرتبطاً بالظروف التي عاشها المجتمع الفلسطيني منذ النكبة الكبرى (1948) وحتى الآن، وهي ظروف اتسمت بعدم استقرار وبمعاناة مستمرة من الغزوة الصهيونية، ما جعل ويجعل كتابة رواية بوليسية أمراً غير وارد في الحسبان. فالرواية البوليسية تتعين أهميتها بما تقدمه للقارئ من تسلية وبما تتيحه له من متعة سهلة المنال.
وأنا أسعى قدر المستطاع إلى تقديم المتعة للقارئ عبر كتابة أدبية لها مواصفات أخرى مختلفة، كالسخرية المرة مما يحيط بنا من ظواهر سياسية واجتماعية على سبيل المثال.
ففي بلادنا المبتلاة باحتلال طال أمده واستطال، فإنني لا أحظى باطمئنان متصل، والأمر نفسه ينطبق كما أعتقد على بقية الكتاب، الذين ليس لديهم الوقت والمزاج والاستعداد للشروع في كتابة روايات بوليسية. ثم إن كتابة قصص وروايات تتطرق لممارسات جنود الاحتلال ومستوطنيه ورجال البوليس التابعين له، تكفي، أو ربما تصبح أكثر ضرورة من كتابة مكرسة للتسلية، مجرد التسلية، حتى لو توفرت فيها البراعة والإتقان.
وحينما نوسع آفاق المشهد لكي يشمل مجتمعات الوطن العربي المختلفة، فأعتقد أن تفرغ الكتاب الجادين فيها، لتعرية ما في هذه المجتمعات من بؤس وفقر وتخلف وتبعية وقمع واضطهاد، يأخذ مكان الصدارة لديهم. ومن ثم، يصبح التفكير في كتابة روايات بوليسية ترفاً لا يستحق الانتباه، بالنظر إلى الوظيفة الخاصة المتوقعة من الرواية البوليسية، وهي المنوه عنها أعلاه.
وختم محمود شقير قائلا: مع ذلك، فأنا لست ضد ظهور روايات بوليسية مكتوبة بأسلوب أدبي راقٍ، وتتوفر فيها تقنيات فنية عالية. قد يسهم ذلك في التشجيع على القراءة التي ما زلت ضعيفة في مجتمعاتنا، أو هي في تراجع مستمر، ما يجعلني أتوقع أن عدم الإقبال على كتابة هذا النوع من الروايات، مرتبط في شكل أو آخر، بضعف سوق الكتاب، وبعدم الإقبال على القراءة إلا على نوع محدود.
وجملة القول، فأنا لست من محبذي الروايات البوليسية ولا حتى الأفلام التي تتخذ من هذه الروايات مادة لها، مهما بلغت من فتنة التشويق وقوة الإبهار. قد أكون متجنياً أو مغالياً في وجهة النظر هذه، لكنها وجهة نظر تخصني وحدي، ولا أسعى إلى فرضها على أحد سواي.
الرواية الوثائقية
بالإمكان كتابة رواية وثائقية بوليسية تغطي ظاهرة إجرامية تمس أمن مجتمع بكامله، وهذا الشيء فعله غارسيا ماركيز باقتدار في روايته الوثائقية «خبر اختطاف» التي كشف فيها حقائق مدهشة، لها علاقة بالمافيات التي تتاجر بالمخدرات في بلده كولومبيا.
مروان علي

