ياسمينه خضرة، هو قناع الأدب الجزائري حيث كان الغموض يكتنف هذا الاسم المستعار سنوات طويلة، فظهور اسم هذا الكاتب في الأدب الجزائري أو الأدب الفرنسي أحدث صدمة كبيرة ولكنه كان ينتظر منذ زمن طويل أن ينهي هذه الازدواجية ويزيل القناع عن وجهه ويكشف عن هويته الحقيقية. أنه الضابط محمد بومسهول، المنخرط في الحرب ضد الإسلاميين المتطرفين في عمليات عسكرية ميدانية طاحنة.
منذ أحد عشر سنة، اختفى وراء هذا الاسم الأنثوي ليغمس ريشته في حبر الكتابة، واضعا الحد لهذه الحياة الشيزوفرينية. في روايته الصادرة عن دار نشر جوليار بعنوان «الكاتب».وهي أول رواية يستخدم فيها السيرة الذاتية، ويكشف عن طفولته وسنوات مراهقته وكيف أصبح ذلك المجند العسكري كاتبا. وهو يريد الآن أن يكرس نفسه إلى المهنة التي أحبها، وهي الكتابة دون أن ينفي ماضيه الذي أستخدمه كمعين للإستيحاء والإبداع. في حوارنا مع ياسمينة خضرة، على همه الروائي دون أن نتطرق إلى السياسة:كيف انتقلت من العسكرية إلى الكتابة؟
كنت أردد على الدوام بأني لا أحتاج لا إلى الدبابات ولا إلى الطائرات ولا إلى القطعات المسلحة بل أعطوني آلة كاتبة وحزمة من الورق من أجل أن أحتل العالم. «يضحك».
السؤال الذي عادة ما يطرح على جميع الكتاب الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية، هو لماذا لا تكتب باللغة العربية ما دمت تجيد لغتك الأم؟
لم أصل إلى نضج الخطاب باللغة العربية.
هل تعتقد أنك كنت تنال الشهرة ذاتها والاهتمام ذاته في الغرب لو كنت قد كتبت رواياتك وشهاداتك باللغة العربية؟
لا أظن ذلك. القارئ العربي ممتاز ولكن الوسط الأدبي العربي مازال يتخبط في بعض الحروب الداخلية وخاصة الحروب الإيديولوجية. وهذا ما جعل العربي الآخر. لا يستطيع سماع العربي الآخر. وأصبح هناك تفكك وانعزال للأصوات الأدبية ومن ثم موتها. وأكبر دليل على ذلك هو عدم ترجمة كتبي إلى اللغة العربية، رغم ترجمها إلى لغة عالمية.
ما هو دور زوجتك حتى تكتب باسمها؟
كانت قارئتي الوحيدة وكنت أضع بين يديها كل ما أكتب وكنت أحذف أي شيء لا ترضى عنه. بل وتستحق زوجتي أن أكتب عنها رواية.
لماذا اخترت الاسم المستعار ياسمينه خضرة بالذات ولماذا الاسم الأنثوي؟
وأنا أقول لماذا لا ؟ كانت أقرب إنسانة إلى في تلك الأزمة التي مرت بيّ هي امرأة ولذلك اخترت اسمها لأنها كانت تمدني بالقوة والطموح الحقيقي للأديب الذي كنت أسعى إليه. صحيح أن الإنسان العربي لا يتحمل أن يلقب باسم امرأة.
إذن الأزمة الجزائرية عالجها كتاب كثيرون تجاوزوا الكتاب التقليديين بل أنتم ذهبتم إلى عمق هذه الأزمة، نرى من الغريب أن عددا منكم لا ينتمي إلى الكتاب المكرسين: بوعلام صنصال مهندس وأنت عسكري... وهكذا، من أتت هذه الظاهرة ؟
أتت من الضمير والتربية، أنا من الصحراء، إنسان بدوي، وربما لذلك تجد شحنة قوية في كتاباتي وهي معروفة عند العرب. بدأت الكتابة مبكراً في عمر الرابعة عشرة عاما. أول كتاب نشرته كان عمري سبعة عشر عاما. ولكن الجزائر كما هو معروف تعاني من أزمة نشر. وقد بقي كتابي الأول وهو عبارة عن مجموعة قصصية، ثمانية سنوات عند الناشر الجزائري.
قبل أن تنشر لك دور النشر الفرنسية الكبيرة نشرت في دور نشر صغيرة لكن شهرتك أتت من دار نشر جوليارد. جاءت شهرتي من دار نشر بسيطة وهي «بالين» لأن دار غاليمار تخوفت كثيرا من نشر كتبي. وكان بعض الناشرين في غاليمار متحمسون لنشر كتبي ولكن في صيف 1995 حصل في فرنسا تفجيرات إرهابية لذلك تخوفت من هذه الموجة في حينها. وبعد سبعة عشر شهرا، اتخذ المسؤولون في غاليمار قراراً بعدم نشر كتبي. ومن ثم صدر الكتاب عن ناشر متواضع جدا هو «بالين» وكانت الرواية «أولئك الذين سيموتون قريبا».
إذا سألناك كيف تكتب الرواية وكيف تختار موضوعاتك؟
في الحقيقة أنني لا أختار موضوعاتي بل هي التي تفرض نفسها وخاصة عبر هذه الحرب الجهنمية وخاصة إن شخصيات روايتي تتجول أمامي على الطريق وكان علي الانتباه وكشف ما يكمن وراء هذه الأشباح التي تتلاطم في جو مكهرب جدا. لكن طريقة الكتابة كانت عفوية. كنت عسكريا زج بيّ في الحرب ولم يكن الوقت يسمح لي بالتفرغ إلى الكتابة.
هل كنت تكتب في وقت الفراغ؟
لم يكن لي وقت فراغ حقيقي وخاصة في مهمتي باستثناء وقت الليل لأن النوم كان صعبا في هذا الكابوس.
ولكن كيف تمكنت من كتابة أكثر من 20 رواية؟
حياتي العسكرية محت كل بصمات الحياة العادية عند الإنسان. فحاولت أن ابدأ حياة أخرى من خلال الأدب وأعيش بعيدا عن الثكنة وبعيدا عن العمليات العسكرية.
بماذا تشترك مع الكتاب الجزائريين الآخرين في تصوير الأزمة الجزائرية؟
لا شيء. وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنني أقلل من قيمة الأدب الجزائري الآخر. كوني كنت في صميم الموضوع والحيرة. كنت متورطا في الحرب. ولهذا كانت النظرة لما يجري في الجزائر نظرة مباشرة ومبنية على حقائق ملموسة.
هل تعيش من واردات كتبك حاليا وهل في نيتك البقاء في فرنسا؟
نعم أستطيع أن أقول ذلك. لكني لا أنتظر أن أعيش من واردات كتبي. لأنني رجل متقاعد. وهذه هي حريتي. إذا وجدت نفسي في أوضاع محرجة فإني أعود إلى بلد العظماء الجزائر لكن الوضعية تغيرت الآن وأنني أشغل منصب مدير المركز الثقافي الجزائري في باريس وبدأت رواياتي وترجماتها في العالم تدر عليّ دخلاً.
وهل تنتمي إلى الطوارق؟
كلا أنني عربي أصيل. وأصلي من مكة المكرمة. وأنتمي إلى قبيلة ذوي المنيعة. ويوجد لحد الآن في فلكلور القبيلة رقصة اسمها ـ الهوبي ـ أصلها الحقيقي من مكة المكرمة. ولكني أؤكد على الدوام بأن الجزائري ينتسب إلى جميع مكوناته من العرب والبربر والطوارق وغيرهم لأنني أخاف جدا من التفرقة وخاصة أن الشعب الجزائري يعاني من أزمة حادة. وأنني فخور بعروبتي وبربرية الجزائر.
ما هو رأيك بالأدب الفرانكفوني ؟
أظن أن الفرانكفونية هي استراتيجية تتبعها فرنسا في تطوير اللغة الفرنسية لا يوجد فيها خبث ومن حقهم أن يفعلوا ذلك.
هل قرأت وتأثرت بالرواية العربية؟
نعم قرأت كثيرا من الكتّاب أمثال نجيب محفوظ وطه حسين وتوفيق الحكيم. أعتقد أن توفيق الحكيم لا يقل أهمية عن فرانسوا مورياك. كما أنصب اهتمامي على الشعراء العرب أمثال: أبو فراس الحمداني والمنفلوطي والمتنبي وأحمد شوقي وأبو القاسم الشابي. وهؤلاء كان أقرب الناس إلي. أنهم أصدقائي.
وعندما بدأت بكتابة الشعر لم يشجعني أساتذتي. وكنت قويا في اللغة العربية بينما كانت فرنسيتي أضعف. ولكن أستاذي في اللغة الفرنسية السيد دافيس شجعني على الكتابة ولذلك استمريت باللغة الفرنسية والمسألة، كما ترى عاطفية أكثر مما هي أيديولوجية.
وكان مقررا أن أكتب باللغة العربية، فالعربية لغة كونية لا استطيع أن أقارن أي كاتب سواء كان من الفرانكفونية أو من الأنكلوفونية بشاعر عربي عظيم مثل المتنبي أو طه حسين لأن الشعر العربي في نظري وصل إلى أعلى قمة لذلك لا يمكن مقارنته بأي شاعر من الغرب.
أهم الأعمال الروائية التي نشرها تحت اسم محمد موليسهول هي: الحرية وآمين 1984 بنت الجسر 1985 القاهرة 1986 من الضفة الأخرى للمدينة 1988 امتيازات الفينيق 1989. أما الأعمال الروائية التي نشرها تحت الاسم المستعار ياسمينة خضرة فهي: أولئك الذين يقتلون 1990 الأحمق والسكين 1990 المهزلة 1993 البياض وخريف الأحلام 1998 خرفان الله 1998 ، بماذا تحلم الذئاب ؟
2000 الكاتب 2001 وتوالت رواياته الأخرى. وصدرت لياسمينة خضرة «ثلاثية العالم العربي ـ الإسلامي» التي شرع فيها الكاتب بعدما فرغ من تقديم شهادته في شأن الأزمة الجزائرية، فنشر رواية «سنونوات كابول»، ثم رواية «الاعتداء» ورواية «صفّارات بغداد».
ياسمينة خضرة في سطور
* ولد ياسمينة خضرة عام 1955 وهو الاسم المستعار للكاتب محمد بومسهول الذي كان ضابطاً في الجيش الجزائري
* اكتسب شهرة واسعة في السنوات الأخيرة. وقد ترجمت رواياته إلى أكثر من عشرين لغة. واستطاع أن يبيع من رواياته ما يعادل نحو 800 نسخة.
* بدأ النشر في دار فرنسية صغيرة ليصبح من كبار الكتاب الفرانكفونيين الذي نقلوا اللغة الفرنسية إلى مصاف العالمية.
* عاش سنوات طويلة متخفياً في أحياء باريس خوفاً من بطش الإسلاميين الجزائريين الذي توعدوه بالقتل.
* بعد انفراج الأزمة تم تعيينه مديراً للمركز الجزائري في باريس.
شاكر نوري

