ربما هو انفجار قمقم العفريت وتردد صدى صوت العفريت لمن أخرجه من قمقمه (شبيك لبيك ما تريده بين ايديك)! إنه الانترنت وقد تعفرَتَ محكوماً بالرغبات القاطعة للمسافات، للحدود من خلال إشارات، حروف، أو عبارات مقتضبة ليكون في حكم اليد، ما لا حصر له من المعلومات، أو ما هو مبحوث عنه والرغبات لا تنتهي، إنها تفتن ذات صاحبها وهي تخصه!

يمكن للانترنت أن يمثّل ولادة ثانية ومغايرة لولادته الأولى من ناحية الإمكانات التي يوفرها له، إنه يمنحه طابعاً من الخرق للزمان والمكان، يرتقي إلى مستوى (آلة الزمن) تلك التي ابتدعها ويلز ذات يوم، يواجه المرء بذاته، يحثه على الخوض في مغامرات لا تنتهي وهو في مكانه.

حيث العالم مفتوح أو منبسط بين يديه، فثمة قدرة سحرية ولكنها واقعية أضفت على الحواس وحدة المصير من خلال استقطاب قواها، وشعر الإنسان جرَّاء ذلك أنه بالفعل كائن من نوع آخر في وسعه أن يشكل سلفاً لمن يأتي بعده بوصفه خلفاً له، فنحن إذاً ومنذ عقدين من الزمن نشهد ثورة كوبرنيكية جديدة لا تترك معلومة، أو فسحة جغرافية، شاردة أو واردة إلا وتتم برمجتها، أو اعتبارها مِلكيَّة انترنتية.

وفي الحالة هذه صار بالإمكان التباهي ببروز إنسان جديد وعصر جديد وتصور جديد للكون ولأي علاقة اجتماعية أو غيرها، وكل ما يخص المسافات أو الأمكنة، أو اللغات، ليس أكثر من برمجة يمكن القيام بها من وفرة هائلة في المواد (الأقراص: السيديات) وعبر تتالي أجيال الكمبيوترات التي تتميز في كل ظهور علامة مضافة بخصال جديدة، تزيد في غواية الجهاز السحري الطابع مثلما تبقي مقتنيها وكائن اليوم إن أراد العيش في مستوى العصر في نطاق «فضائل» الانترنت.

بالتوازي لم يعد في وسع أي كان أن يدَّعي أنه متفوق على سواه، أن يزعم أنه مختلف عن غيره من خلال حيازة كمبيوترية معينة، لأن الكمبيوتر وبحسب مهارة التشغيل والمعلومات الملقَّمة ينفي التفاوت ويقصيه كلياً، والخبرة وحدها وبتوافر إمكانات مادية معينة يظل التفاوت موجوداً، ومن جهة الانترنت ودون إمكانية ادعاء، أن ذلك يشكل نعمة ثابتة ـ دائمة .

حيث إن التفوق الانترنتي الطابع غير مضمون، فالقاعدة الانترنتية تقول: لا استراحة معي ولا تقاعد لمن يزعم أنه عمَّر طويلاً معي، إنما دوام العمل! المثابرة وحدها والإحاطة الخاصة وحدها يمكنها أن تضمن تفوقاً مستمراً، لذا لم يعد من سقف ممكن افتراضه للقوة المعلوماتية الانترنتية النسب ولا مجال للتباهي من قبل أي كان أنه سوبرمان عصره، فقط لأنه يمتلك كمبيوتراً وفي حيز الانترنت! إنها واقع عياني، قيامة الديمقراطية المعولمة انترنتياً إذن.

كل ذلك جائز ويستحق التقدير، إلا أن الانترنت هذا لا يخفي هويته التقنية، ما جاء من أجله وما يتحرك من خلاله، إنه في أكثر تجلياته يشكل فتنة الهاوية التي يحظَّر الاقتراب منها، أو التنبه للمزلق الذي يستشرفها حيث التصميم والمودَع فيه أو فعل البرمجة، عناصر داعمة لثقافة تتخذ طابعاً كونياً معولماً إنما ليس عالمياً.

ثمة احتكار لثقافة لا تخفى بعلامات قوتها الفارقة من خلال مراكز القوة عالمياً هنا، ثمة مهارة مشروطة يتطلبها الانترنت، خروقاً قائمة تلازم كل تعامل ولو جزئي مع أي معلومة لها خانة انترنتية، فالبياض المواجه لا علاقة له بالطهارة المعلومة والسرعة في الانتقال، لا صلة له ببساط الريح أو العبور الفعلي من دولة لأخرى.

حيث الشعور الحسي النفسي قد يوحي بذلك لبعض من الوقت بقدر ما أن البرمجة تقوم بأدوارها الموكولة إليها أن ما يعطى بسرعة يؤخذ بسرعة، إن ثمة ارتهاناً للانترنت رغبات تلبَّى بشروط، يخطط لها، أولو أمر المعلوماتية والقيمون على الانترنت في السر والجهر، ان التجدد المتواصل دعوة يصعب مقاومتها وهي مكلفة بالمقابل للاستمرار، ليكون المواطن الانترنتي قادراً على إثبات أنه عصري وأن يكون حساب الدفع والتيقظ جارياً حيث الفيروس المتعدد الأنساب والغايات يتربص داخلاً.

وهي ضريبة باهظة التكاليف أحياناً يصعب إن لم يكن يستحيل الحيلولة دون وصوله إلى الداخل، فالانترنت باعتباره فردوساً متنقلاً متحركاً هنا وهناك جلي بجحيمه من جهة ردة فعله لمن يستهين بأمره، ولعله بهذه الصورة المركَّبة يعطي التعريف الأشمل عن حقيقته خلاف الكثيرين ممن يشهقون ويزفرون في ظله ساعات طوالاً، دون إدراك أن الظل الانترنتي وهمُ من يعجز عن إدراكه حقيقةً!

إبراهيم محمود