بعيداً عن شكلها المادي، والخامات التي صنعت منها، عندما نستحضر «مفردة» الأبواب، ربما نقصد بها الرمز لجملة تحمل في مضامينها ما يوحيه الباب حقاً، من أنه يوصد في وجوه ناس معينين ويفتح بوجه غيرهم.
ففي السياسة، والعلاقات الدولية وغيرها تستخدم بعض العبارات الودية التي تختزل صراعات مريرة، حين يقولون «فتحت أبواب الحوار» وتستخدم «أغلقت » للدلالة على صعوبة الموقف، وعلى ذلك الفاصل الذي مازال يحتم على كل طرف البقاء في مكانه، ونجد هذا في عبارات أخرى مثل أبواب النار، وأبواب الجنة، ونحن على أبواب الشتاء، وما إلى ذلك من احتمالات تطرحها الأبواب. هذا لم يأت من فراغ إنما من الفكرة المجردة للباب، بأنه الحد الفاصل، وبأنه يخفي وراءه عالما لا يعلم تفاصيله إلا من يعيش من خلفه، والدخول إلى المنزل بالشكل الصحيح لابد أن يكون عن طريقه.
وربما لأهميتها اعتمد سكان الكثير من المدن القديمة، على تحصين مدنهم بأبواب عملاقة، تتناسب مع أسوارهم الشاهقة، وما زال بعضا من هذه الأبواب إلى الآن يئن تحت تأثير الزمن، مستقراً في الذاكرة أن تلك القصور الملكية، أو البيوت الفخمة، لا بد أن يكون لها ما يليق من أبواب، لتحكي بالمقابل الأبواب الأخرى المتناثرة، في مساحات الجغرافية حكايات التواضع، تواضع الخامات هشاشتها، لذلك كان لابد لها أن تندثر مع الزمن. لأنها أبواب هشة كوجود أصحابها. وضخامة بعض الأبواب التي بقيت وأهميتها كان لها دراسة معينة في وقتنا الراهن مثل أبواب دمشق القديمة وعلاقتها بالكواكب، أو أبواب مسجد الأقصى، وغيرها.
إذ ما زالت الأبواب هي الفاصل بين السر والعلن، بين المجهول والمعلوم، ما بين الخاص والعام. ومازالت منبعا للحكايا، والتشبيهات والإيحاءات التي نسقطها. أبواب دمشق
بلغ عدد أبواب دمشق تسعة أبواب، إذ كانت مدينة دمشق على مدى العصور محط انظار الغزاة، فاقتضت ضرورات الدفاع عنها وحمايتها، وكان ذلك في بداية العصر اليوناني، بينما قاموا في العصر الروماني بصيانة السور وظهرت سبة أبواب نسبة إلى الكواكب السبعة المعروفة في ذلك الزمن، ونحتت رموز هذه الكواكب على الأبواب، كترجمة لاعتقادهم أنها تحمي المدينة. ولكن دمر أجزاء من السور عام 749 م على أيدي العباسيين، واخذ السور بالانهيار حتى أعيد تحصينه في عهد نور الدين الزنكي وفتحت في عهده أبواب لم تكن موجودة من قبل منها باب الفرج، وباب النصر، أما الأبواب الرومانية الأصل السبعة فهي:
1- باب شرقي ويرمز هذا الباب إلى كوكب الشمس، ويقع شرق مدينة دمشق، وهو الباب الوحيد من جهة الشرق، عند بداية الشارع المستقيم الذي كان يحوي قوس النصر، ومنه دخل خالد بن الوليد فاتحا دمشق.
2- باب جنيق أو باب السلامة يرمز إلى كوكب القمر وهو أحد الأبواب الشمالية للسور، وأطلق عليه السلام، أو السلامة لأنه محمي بمجرى نهر العقرباني وكان اسمه الجنيق في العصر الروماني، واعاد بناؤه نور الدين بن زنكي وأنشأ فوقه مئذنة كباقي الأبواب ومن ثم جدد في العام 1243م.
3- باب توما يرمز به إلى كوكب الزهراء، وينسب إلى أحد عظماء الروم، بينما اعاد بناؤه الملك الأيوبي الناصر عام 1227م وفي عصر المماليك قام الأمير تنكز بتجديده عام 1333 م ونزل منه عمرو بن العاص.
4- باب الفراديس ويرمز به إلى كوكب عطارد أو العمارة وهو من الأبواب الشمالية ويحمل اسم قرية الفراديس وهو روماني، وقد حاصره المسلمون بقيادة عمرو بن العاص حتى استسلمت الحامية البيزنطية، وأعيد انشاؤه وترميمه في عهد الملك الصالح عماد الدين بن اسماعيل عام 1241م.
5- باب الصغير ويرمز به إلى كوكب المريخ، وهو أصغر أبواب الأسوار ويقع في الجهة الجنوبية وكان يزيد بن معاوية قد نزل منه عند فتح دمشق، ورممه نور الدين الزنكي، وأقام عليه مئذنة.
6- باب كيسان يرمز إلى كوكب زحل وهو باب قديم ينسب إلى كيسان مولى عند الخليفة معاوية، ويقع الباب في الجهة الجنوبية، وأقيمت أمامه كنيسة مكرسة للقديس بولس.
7- باب الجابية ويرمز به إلى كوكب المشتري وسمي بهذا الاسم لأنه كان يؤدي إلى معسكر للجند مكلفين بجباية الضرائب، ويقع في الطرف الغربي من الشراع المستقيم وهو مماثل للباب الشرقي ومنه نزل أبو عبيدة بن الجراح، ويحمل اسم قرية الجابية الواقعة جنوبي دمشق.
وهناك أبواب أخرى أقيمت في عهود تلت العهد الروماني، وهي باب الفرج وهو من الأبواب الشمالية أنشأه نور الدين زنكي ويقع بين العصرونية والمناخلية وهو باب مزدوج له باشورة، وتم تجديده عام 1241م.
وباب النصر كان موقعه عند باب الحميدية وتم هدمه في العام 1763م. إلى جانب عدد ممن الأبواب منها الأبواب الصغيرة التي كانت تستخدم لحماية الحارات القديمة مثل باب السريجة، وباب الزقاق، وباب مصلى، ويستطيع الإنسان أن يحدد الأبواب الرمانية الأصل من شكلها المميز لأنها تتألف من ثلاث فتحات مقوسة أكبرها الفتحة الوسطى أما الفتحتان الجانبيتان فهما أصغر وكانتا تستخدمان للمشاة، أما بقية الأبواب فقد شيدت لاحقا وكانت إما مزدوجة الفتحات مثل باب الفرج وباب النصر، أو بفتحة واحدة مثل باب السلام.
أبواب الريس
كثيرا ما رسم الفنان الإماراتي عبد القادر الريس الأبواب، وأبدع فيها. فبعد أن شدته التراثية منها، حولها بريشته فنا يبقى، ورأى فيها، رمزا بعيدا عن فكرتها المادية بأنها مجرد أبواب مصنوعة من خشب، أو غيره من المواد، فأبواب الريس قد تكون مغلقة على كم هائل من الأسرار، أو مفتوحة على مناظر معينة يطرح من خلالها تساؤلات، تثير مخيلة المشاهد، ربما هو مفتوح على الماضي، ربما هو فسحة أمل للمستقبل، وربما أشياء كثيرة، وذلك لما للأبواب من أفكار مجردة، وبعيدة عن فكرتها الحسية، وتكوينها الجمالي.
قال الفنان الإماراتي عبد القادر الريس عن رسمه للأبواب لا شك إنني أبرز الشكل الجمالي للباب ولكن رغم ذلك أربط الباب بكل عمل سواء أكان خيرا أما شرا، وربما يكون الباب مفتوحا في بعض الحبيان ومن خلفه مداخل أخرى أي أن كل باب قد يقود إلى الآخر.
أبواب الجحيم
يقال ان الجحيم يضم سبعة أبواب ولا يخفى على أحد ان الجحيم هو عكس ما يمكن ان يكون في الجنة، ومن هذا المبدأ استخدم للدالة على أسوأ الأشياء التي يمكن ان تحدث في الحياة، واستعيرت التسمية في أوجه الفن والأدب المختلفة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدخول إلى الجحيم لابد ان يكون عن طريق الباب، إذا يبقى الباب مدخلا لكل الأمكنة، وبوابة الجحيم اسم يطلق على إحدى الأماكن الموجودة في آسيا وهو تعبير استوحي من شكل المكان الذي قد يمثل الجحيم في أذهان الناس لما يحويه من حمم بركانية.
عبير يونس

