«إن قيل لي أن جميع أعمال شكسبير ستتلف باستثناء عمل واحد يمكنني اختياره، سأقول أني سأحاول أولا قتل المارد في داخلي الذي طرح هذا السؤال. وإن فشلت سأحاول قتل نفسي، وإن عجزت، سأختار مسرحيته (العين بالعين)، لكونها تظهر الجانب المظلم من طبيعة الإنسان»، ذلك ما كتبه الأديب الإيطالي غوسيب توماسي دي لامبيدوسا، الذي اشتهر بروايته الوحيدة القط المرقط التي نشرت بعد وفاته عام 1958، وتعتبر من روائع الأدب الكلاسيكي وبمصاف «ذهب مع الريح» و«البحث عن الزمن الضائع».

ولد الدوق توماسي في باليرمو صقلية في 23 ديسمبر عام 1896، وكان والده أمير جزيرة لامبيدوسا، ونال تعليمه في طفولته في بيت العائلة ودرس إلى جانب الأدب، اللغة الانجليزية والفرنسية. وفي عام 1911 استقر في روما وتابع دراسته فيها، ليتم بعدها استدعائه إلى الجيش ليحارب ضد النمسا وهنغاريا ويؤخذ أسيرا، لكنه نجح في الهرب والعودة إلى وطنه من هنغاريا ماشيا.

وفي صقلية استقر مع والدته ورافقها في أسفارها وتابع دراسته للآداب الأجنبية، وخلال تلك المرحلة تبلورت في ذهنة فكرة روايته القط المرقط. ونظرا لعدم اعتبار الكتابة مهنة آنذاك، سعت والدته بتأثيرها الكبير عليه إبعاد فكرة التفرغ للكتابة عن ذهنه، ومع وفاة والده ورث لقب الأمير. وقضى توماسي معظم حياته في محيط العائلة الذين شكلوا مجموعة أصدقائه، ويعزى ذلك إما لعدم اهتمامه بالغرباء أو لكون الخجل جزءا من طبيعته، وربما لطبيعة ترابط العائلات في صقلية.

والأمر المؤكد عن حياة هذا الأمير الأخير في عائلته أنه عاش حياة غريبة وفي عزلة. وحينما سافر معه إلى شمال إيطاليا ليتسلم الشاب جائزته في الشعر عام 1954، عاد توماسي وبدأ بكتابة روايته التي أتمها عام 1956. وتم خلال حياته رفض الرواية من جميع الناشرين، وسرعان ما وافته المنية في 23 يوليو عام 1957 بعدما أصيب بسرطان الرئة.

وهكذا لم تصدر روايته إلا بعد مضي عام على وفاته، وحققت فور نشرها نجاحا كبيرا، وحازت على جائزة ستيرغا الأدبية الكبرى عام 1959.تغطي أحداث روايته القط المرقط خمسين عاما ابتداء من صيف عام 1860 مع بداية ثورة غاريبالدي.

ويرصد فيها عدة محاور، منها التحول من الأرستقراطية إلى الرأسمالية وكيفية تفاعل طبقة النبلاء ورجال الكنيسة مع ثورة العمال، إلى جانب الرؤية الفردية للذات وقراءتها للمحيط والحياة.ويرجح النقاد اختيار توماسي القط المرقط شعارا لعائلة البطل وعنوانا لروايته، كرمز يضيف بعدا آخر للعمل إذ انقرض هذا الحيوان في إيطاليا في منتصف القرن التاسع عشر كما انقرضت عائلة بطل العمل، وهو النبيل الصقلي دون فابريزيو كوربيرا، أمير سالينينا.

ويتعرف القاريء على الأمير وهو في منتصف العمر خلال الاضطرابات التي تسود البلد بسبب ثورة العمال بقيادة غاريبالدي، حيث تتجلى محاور العمل عبر سرد سيرة حياته بضمير الغائب، والتي تبدأ بالعلاقة الوثيقة بين البطل وابن شقيقه ترانسيدي الأثير إلى نفسه. وعلى الرغم من تعاون الأخير مع الثوار، تبقى علاقة الود والحوار المفتوح بين الطرفين، ويقتنع الأمير بقول ترانسيدي في نهاية أحد النقاشات، «إن أردنا أن نحتفظ بما لدينا علينا أن نقبل ونواكب التغيير».

كما يحث الأمير نفسه على تقبل الواقع الجديد وغياب مكانة العائلات الأرستقراطية لتحل محلها الطبقة البرجوازية الوسطى، التي يدرك أن عليه التعامل معها لدى طلب ابن شقيقه الزواج من ابنة التاجر الذي يفوقهم ثراء بعد التقلبات السياسية، مفضلا إياها على ابنة عمه كونشيتا التي كتمت عنه حبها له وإن صارحت والدها بذلك. مرة أخرى يوافق الأمير على آراء ابن شقيقه بشأن ذاك الزواج الذي يمثل مصالح مشتركة للعائلتين عبر الربط بين الثراء والنسب الرفيع، ودون أن يغيب عن باله أن هذا الزواج سيفطر قلب ابنته.

في تلك المرحلة يعيش الأمير أزمة منتصف العمر ويتأمل مجريات حياته الماضية من خلال الحب الذي يربط بين الخطيبين في الحاضر، ليتأرجح بين زمنين حتى يدرك أنه تجاوز مرحلة الحياة المرتبطة بالرغبات، ليبدأ بدخول الحياة الروحية مع نفسه. لكن ترانسيدي يفاجئه مرة أخرى بانضمامه إلى قوات الملك ويبرر قراره بقوله، «مصالحي ترتبط دوما بالأقوى»، وبذا يعود الأمير لدائرة التأمل من جديد.

ومع مضي الزمن تقتصر سعادة الأمير على الأوقات التي ينزه فيها كلبه المقرب إليه والذي يمثل لحظات السعادة الحقيقية التي تكمن في تلك الحرية والإنطلاق، ولدى الاختلاء بنفسه لدراسة ومراقبة النجوم مع صديقه القس بيروني، الذي يرفض الحركة الثورية التي تهدد سلطة الكنسية وثرواتها، والذي يكتشف في فصول لاحقة المؤامرة التي حاكها أخيه وابنته للحصول على ميراثه وليصل منها إلى أن جميع الطبقات بلا استثناء تملك ذلك الجانب المظلم من النفس البشرية المتمثل بالخبث والطمع.

ويتجاوز الكاتب عبر الفصول عدة سنوات ليقفز في الفصل السابع إلى المرحلة الأخيرة من حياة الأمير حيث يموت ابنه البكر الذي كان دائما بعيدا عنه لدى وقوعه عن الخيل، ووفاة ترانسيدي بعدما وصل إلى مناصب سياسية مرموقة، والقس وأخيرا الأمير آخر من حمل لقب العائلة الذي بموته تنتهي مرحلة طبقته ليحل مكانها البرجوازية. ويرصد الفصل الأخير مصير عائلته بعد تبقي بناته الثلاث اللواتي يتمسكن بطقوس دينية مبالغ فيها، ليدركن بعدها أن لا قيمة لمعظمها.

الكتاب: القط المرقط

تأليف: غوسيب توماسي دي لامبيدوسا

الناشر: كاسا إيديتريس فيلترينيلي

إيطاليا

الصفحات: 330 صفحة

The Leopard

Giuseppe Tomasi di Lampedusa

ylatI - illenirtleF ecirtide asaC

P.033