كتاب«عشرة أيام هزت العالم» الجديد، لمؤلفه الاقتصادي الفرنسي آلان مينك، يتضمن بعدد صفحاته القليلة التي تبلغ 132 صفحة قسمين أساسيين، أحدهما تمهيدي وقصير نسبيا حيث يقدم فيه المؤلف ما يشبه«التشخيص الطبي» لأسباب نشوب الأزمة المالية العالمية الفريدة من نوعها منذ أزمة الكساد الكبير الذي شهده العالم عام 1929 من القرن الماضي وقسم آخر يقدّم فيه المؤلف مجموعة من الأطروحات«السيناريوهات» التي يراها لما يمكن أن تؤول إليه أمور العالم بعد الأزمة.

قامت الأزمة المالية العالمية، كما يكرر المؤلف بطريقته ما قدّمه المحللون غيره، انطلاقا من«عاصفة مصرفية» انبعث من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، ثم عمّت قارات العالم الخمس، لقد أصبحت هذه الأزمة واقعا معاشا يعاني منه الجميع، ويصيب الأكثر فقرا، كون أنهم الأقل مقاومة.

لكن هذه الأزمة، وعلى فداحتها، سوف تنتهي ذات يوم، كما يؤكد آلان مينك مضيفا أن العالم يكون عند نهايتها كما هو اليوم. ذلك أن أشياء كثيرة سوف تتغيّر وفي مقدّمتها القواعد المالية التي تحكم العالم.

وحتى لو بقيت المؤسسات المالية الدولية الحالية قائمة. و»التحوّل» الكبير في صورة عالم ما بعد الأزمة يترتب حكما على ضخامة الأزمة بحيث أن صدمتها سوف تفرض التحولات المستقبلية. وفي منظور هذا المستقبل يقدم آلان مينك قراءته لما سيؤول إليه العالم بسبب«الأيام العشرة» التي هزّته من أعماقه.

وإذا كان آلان مينك يحاول تقديم رؤيته بنوع من«البساطة» بل و»الطرافة» أحيانا، فإن التحليلات التي يقدمها تثير«القلق» حيال المستقبل.

هكذا نقرأ مثلا عن أن الأفق قد يشهد«انقضاض» مجموعة«غازبروم» الروسية المسيطرة على قطاع الطاقة في روسيا والتي تمثل اليوم اليد«الضاربة» للاقتصاد الروسي في العالم، على شركة«توتال» التي تشطل اليوم«زهرة» الصناعة البترولية الفرنسية على صعيد العالم كله. إنها«سوف تنقضّ عليها مثل انقضاض النسر على حمامة»، مثلما سيشرح آلان مينك.

ويتصوّر المؤلف رد الفعل الفرنسية بموجة من الغضب«الصحافي» والمقالات المنددة وصخب كبير لدى الرأي العام مع إدانات كبيرة ونقد شديد من قبل المعارضة. ولتقصير الحكومة في القيام بما هو مطلوب منها من أجل حماية الصناعة الوطنية، ثم قيام هذه الحكومة باتخاذ إجراء«تأميم» شركة«توتال» كعمل«دفاعي».

و»سيناريو» آخر لا يثير درجة أقل من القلق بالنسبة للأمن في العالم ويتعلق بقيام الصين باجتياح تايوان«الصين الوطنية سابقا» وإعادة ضمّها إلى«الوطن الأم» هذا أمام نوع من السلبية المعممة من قبل مختلف بلدان العالم، بما في ذلك القوة الأميركية العظمى التي تعتبر نفسها اليوم بمثابة الضامن لاستقلال تايوان ولحرية المرور في مضيق تايوان.

ويمكن للصين أيضا في منظور ترجمة قوتها الاقتصادية إلى أوراق سياسية أن تثير عاصفة مالية أخرى تتبعها بالتأكيد هزة اقتصادية غير محسوبة النتائج.

وذلك عبر امتناعها عن شراء سندات الخزينة الأميركية. هذا من المعروف أن الصين تمتلك أكبر حصة في العالم من هذه السنوات التي تدعم في نهاية المطاف«استقرار» الديون الأميركية.

وعلى مسرح آخر يمكن لاسكوتلندا أن تطالب باستقلالها. ويتوقع المؤلف أن تتم مثل هذه المطالبة بكثير من«الهدوء واللطف» وعبر السبيل الديمقراطي بعيدا عن أي عنف. لكن من خلال مثل هذا«السيناريو» يتعرّض المؤلف لما يراه كُثر بمثابة خطر حقيقي في أوروبا بخصوص إمكانية تفكك بعض الدول.

وفي مقدمة هذه الدول بلجيكا التي تعاني أصلا من شرخ حقيقي، على خلفية لغوية، بينما سكان جنوب البلاد الناطقين بالفرنسية، بما في ذلك بالعاصمة بروكسل، وسكان مناطق الشمال الناطقين بالفلاماندية. كان هذا الخلاف«اللغوي» قد ترك بلجيكا قبل فترة بدون حكومة لمدة تزيد عن تسعة أشهر.

وإذا كانت بلجيكا هي المثال«الأبرز» مخطر التهديد بالتفكك فإن المؤلف يسوق أيضا مثال إسبانيا التي لم تهدأ فيها أبدا مطالبة سكان منطقة«الباسك»، وبنسبة كبيرة منهم، بالاستقلال عن العرش الاسباني.

وحيث تبنّت بعض الحركات الباسكية الكفاح المسلح مثل المنظمة المعروفة ب»الايتا». وهذه الحركة شبيهة بالجيش الجمهوري الايرلندي الذي يهدد هو أيضا وحدة ايرلندا.

ومن الفرضيات التي يطرحها آلان مينك، ويعتبرها«الأكثر إثارة للقلق»، ويراها من بين الأكثر اهتماما، قيام إسرائيل بقصف المنشآت النووية الإيرانية.

وحيث ستقوم الولايات المتحدة في ظل إدارة اوباما ب»تغطية» عملية القصف مباشرة. الأمر الذي قد يكون الشرارة التي تولع الحريق في منطقة الشرق الأوسط الإستراتيجية.

وتشمل صورة المستقبل ب»ريشة مينك» شراء مؤسسة«غوغل» لصحيفة«نيويورك تايمز» واستئثار الجامعات الآسيوية بجوائز نوبل. ويريد بذلك التدليل على تدنّي مستويات التعليم في الغرب عامة، وفي فرنسا خاصة.

العالم بعد الأزمة سيكون مغايرا عن عالم اليوم، ولكنه لن يكون أفضل.

الكتاب : عشرة أيام هزّت العالم

تأليف: آلان مينك

الناشر: غارسيه باريس 2009

الصفحات: 132 صفحة

القطع: المتوسط

Dix jours ébranlèrent le monde

Alain Minc

Grasse t - Paris 2009

132.P