في هذا الكتاب «الأميركيون السود، من مزارع القطن إلى البيت الأبيض» تؤرخ مؤلفته نيكول باشاران لأربعة قرون من تاريخ الأميركيين السود، ذوي الأصول الإفريقية. إنها أربعة قرون من «المعارك» التي خاضها هؤلاء السود منذ وصولهم إلى أرض العالم الجديد من أجل الحصول على أبسط حقوقهم.

يحاول الكتاب الإلمام بالمسيرة الأميركية - السوداء منذ مرحلة «العبيد» وحتى حصول الأميركيين، ذوي الأصول الإفريقية، على مكانة المواطنين «الأميركيين الحقيقيين»، كما يقول عنوان الفصل الأخير، ومرورا بمراحل «الملونين» ثم «ذوي البشرة السوداء» ثم «الأميركيون - الأفارقة». ومن الواضح أن استخدام المؤلفة لهذا التباين «اللوني» في عناوين فصول كتابها يرمي إلى الإشارة للتباين في الحقوق التي حاز عليها الاميركيون الأفارقة، في كل مرحلة تاريخية.

إن نيكول باشاران. ت. عادت في تحليلاتها إلى تلك الفترة التي وصل فيها الأفارقة السود إلى العالم الجديد، كما كان يُطلق على القارة الاميركية بعد اكتشافها، والأغلال في رقابهم وأرجلهم ترزح في الأصفاد، باختصار كانوا «في مرتبة أدنى من مرتبة البشر».

وكان الوصول إلى العالم الجديد بداية رحلة جديدة من مختلف أشكال الاستعباد والتمييز والعنف والآلام. ومنذ فترة ليست بعيدة، عندما كان باراك اوباما، رئيس الولايات المتحدة اليوم، طفلا قُتل مارتن لوثركنغ، على خلفية مطالبته بالحقوق المدنية للسود من أبناء جلدته، وكان السود لا يزالون عرضة للاعتداء عليهم في الشارع.

الأمر اختلف تماما اليوم فرئيس الولايات المتحدة هو من أصل إفريقي من ناحية والده الكيني. وما تذكّر به المؤلفة هو أنه في زمن طفولة اوباما لم يكن الاميركيون السود يستطيعون الاقتراع إلا في حالات نادرة أو حتى لم يكن بمقدورهم الجلوس «مع البيض» في مقهى أو مطعم.

إن تاريخ الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية هو بنفس الوقت، كما تقدمه المؤلفة، تاريخ عنصرية البيض وموقفهم المناهض من مواقع اعتبار أن عرقهم «أرقى» من العرق الأسود لأي اختلاط بينهم وبين أولئك «العبيد» الذين جرى «إنفاذهم» من براثن الفقر في قارتهم «البائسة».

وهو بنفس الوقت أيضا تاريخ نضال مستمر وصعب خاضه السود من أجل بقائهم أولا في مزارع القطن الشاسعة في جنوب القارة الاميركية حيث لم يتردد «الأسياد» في تفكيك شمل الأسر السوداء وبعثرة أفرادها حسب مقتضيات مصلحة زراعتهم. بل لم يترددوا في ممارسة كل أشكال العنف الجسدي ضد الرجال من السود وفي اغتصاب النساء. كما تؤكد المؤلفة في هذا السياق أنه لم يكن مطروحا أن يصل أي أسود، رجلا كان أو امرأة، إلى أدنى مراتب المعرفة والتعليم.

وتشرح نيكول باشاران، أن تاريخ السود في أميركا هو أيضا تاريخ حالة من «الرياء» من قبل دولة تضمّن دستورها الصادر عام 1787 عددا من البنود التي تسمح في عمقها بممارسة استعباد السود. كما تركّز المؤلفة في هذا السياق على القول ان نفس «الرياء» استمر بعد الحرب الأهلية الشهيرة المعروف ب«حرب الانفصال» بين شمال الولايات المتحدة وجنوبها.

ففي غداة تلك تلك الحرب التي استمرت عدة سنوات في مطلع سنوات الستينات من القرن التاسع عشر انتظر الجميع أن تصدر القوانين الخاصة بإلغاء الرق تماما. ذلك خاصة أن السود كانوا قد شاركوا بفعالية في المجهود الحربي للشمال «المنتصر» ضد الجنوب «المهزوم».

لكن ما جرى على أرض الواقع غداة الحرب الأهلية لم يكن «إلغاء الرق» وإنما بالأحرى «إبقاء مكانة الأسود على ما كانت عليه». هكذا بدا أن قتال اليهود دعما للشمال وموت الآلاف منهم كان مجانيا، ولم يلق اعتراف البيض فيه، فالعنصرية كانت متأصلة في النفوس. ولم يكن البيض على استعداد للتضحية بأي جزء من امتيازاتهم.

وحتى عقود قريبة خلت كان «مألوفا» في الولايات المتحدة الاميركية مصادفة مختلف أشكال التمييز العنصري على مستوى التوظيف والعمل، وكذلك على مستوى الحياة اليومية.

ولم يكن مستهجنا القيام بعمليات اعتداء، بل و«سحق» للسود في الشوارع. هذا مع بقاء الفاعلين في الكثير من الأحيان بمنجاة من أي عقاب وكأن القضاء كان غائبا إلى درجة كبيرة، ذلك كله بالتوازي مع استمرار نضال السود من أجل نيل حقوقهم المدنية كمواطنين.

الكتاب : الأميركيون السود من مزارع القطن إلى البيت الأبيض

تأليف: نيكول باشاران

الناشر: باناما باريس 2008

الصفحات: 618 صفحة

القطع: المتوسط

Les noirs Américains : des champs de coton à la Maison Blanche

Nicole Bacharan

Panama - Paris 2008

618.p