لم يكن «ادولف هتلر» هو ذلك الرجل الذي أشعل حربا كونية انطلقت شرارتها الأولى من أوروبا التي عرفت الدمار والتخريب والقتل فحسب، لكنه كان أيضا رجلا يهتم بالثقافة والكتب، وهذا ما تدلّ عليه عدة آلاف منها ضمّتها مكتبته الخاصة والتي تشكل موضوع هذا الكتاب عن «المكتبة الخاصة لهتلر، الكتب التي أثّرت في حياته».
ولعلّ هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها أحد بالتنقيب في ال000 16 مؤلّف التي كان «الفوهرر» يقتنيها في مكتبته. وقد كانت مكتبته شهيرة إلى درجة أن صحيفة «النيويوركر» الأميركية كرّست لها في عام 1935 تحقيقا صحافيا قدّمته لقرائها. ويقوم الصحافي الأميركي تيموتي دبليو ريباك في هذا الكتاب بتقديم قراءته لمضمون المكتبة الخاصة لهتلر، أو على الأقل ما تبقّى منها حيث أنها كانت قد تعرّضت للنهب وتشتت محتوياتها، لكن وصل ما يزيد ألف كتاب عنها إلى الولايات المتحدة الأميركية لتجد مكانها في العديد من جامعاتها.إن هتلر الذي أمر بإحراق الكثير من الكتب كان هو نفسه يحتفظ لنفسه بعدد من أمهاتها مثل «دونكيخوته» و«أسفار غوليفر» و«هاملت» و«روبنسون كروزو» إلى جانب العديد من روايات المغامرات مثل مؤلفات «كارل ماي».
ويشير تيموتي دبليو ريباك إلى وجود العديد من الكتب التي كان مؤلفوها قد أرسلوها للفوهرر مزيّلة بإهداءاتهم. ولا يتردد المؤلف في وصف مضمون الكلمات الموجهة لهتلر من مشاهير الكتّاب أحيانا أنها كانت تفوح منها أحيانا رائحة العنصرية ومناهضة السامية والإفراط في المديح. أحد الكتب المهداة «للفوهرر الوطني ادولف هتلر» يحمل عنوان: «النار والدم» لمؤلفه جونجر.
ويذهب المؤلف بالطبع أبعد من عملية جرد للأعمال التي كانت تحتوي عليها مكتبة هتلر. فمثل ذلك العمل كان قد قام فيه مؤلفان هما «فيليب غراسيه» و«دانييل ماتيرن» قبل عدة سنوات عندما أصدرا قوائم كاملة لمحتويات مكتبة هتلر ووجهاها للدارسين الجامعيين.
لكن في هذا الكتاب الجديد و«الفريد» يحاول المؤلف أن يقوم بعملية الربط بين كتب هتلر وبين نمط تفكيره بل وبين القرارات السياسية الكبرى، والكارثية، التي كان قد اتخذها بعد وصوله إلى منصب المستشارية عام 1933. ذلك على أساس أن الكتب التي يجمعها أي إنسان تشكّل بدورها مؤشرا حقيقيا على شخصية «الجامع» نفسه وتوجهاته، وذلك على مبدأ: «قل لي ماذا تجمع من الكتب، أقل لك من أنت».
ويكتب تيموتي دبليو ريباك بهذا الخصوص: «لقد قمت باختيار عدد من الكتب الموجودة التي يمكن أن تؤشر إلى محتوى عاطفي وانفعالي أو على مضمون فكري له دلالته، ومما يمكن أن يلقي بعض الضوء على شخص هتلر نفسه وعلى الأفكار التي تتخلل عزلته وتؤثر في خطاباته القادمة أو في الأفعال العامة التي قد يقوم بها».
وتتم الإشارة في هذا الصدد إلى أن مكتبة الفوهرر قد احتوت على مجموعة من الكتب ذات المنحى الفكري العنصري أو المناهض للسامية. ويذكر المؤلف منها كتاب رجل الصناعة الشهير هنري فورد الذي يحمل عنوان: «اليهودي الدولي»، وكتب لمؤلفين آخرين من بينهم «هنريش كلاوس» و«ديتريش ايكارت» و«بول لاغارد» و«اوتو ديكل». هؤلاء بأغلبيتهم من الكتاب الألمان ذوي «النزعة القومية الجرمانية» المتزمتة والتأكيد على تفوقها بالقياس إلى مختلف القوميات الأخرى.
ومما يؤكده تيموتي دبليو ريباك قوله أن الفيلسوف «فيخته» كان «الفيلسوف الأكثر قربا من هتلر ومن حركته السياسية القومية الاشتراكية، وذلك في صياغة تفكيره كما في دينامية حياته».
المعروف عن «فيخته» أنه صاحب العديد من الآراء ذات النزعة الفاشية. وكان هتلر أيضا حريصا على قراءة، وإعادة قراءة، كلاوزفتس، منظّر الحرب الكبير، ومكيافيللي، صاحب نظرية «الغاية تبرر الوسيلة». وقد وجدوا كتبهما في الملجأ الذي انتحر فيه إلى جانب سيرة حياة يوليوس قيصر والاسكندر الأكبر.
ومن المقولات التي يقدمها المؤلف اعتمادا على محتويات مكتبة هتلر هو تأكيد على اهتمام الفوهرر بالروحانيات والغيبيات. نقرأ: «من الكتب التي تمّ العثور عليها في مكتبة هتلر هناك العشرات تهتم بالروحانيات وعوالم المجهول. وهذا قد يمثل شاهدا بليغا على الاهتمامات العميقة لمالك لتلك الكتب». بل لم تقتصر كتب هتلر على الروحانيات بل يخص بعضها «علم التنجيم والعرافة».
ومن خلال تأمل محتويات مكتبة هتلر ومدلولاتها يصل تيموتي ريباك إلى القول: «إننا عبر هذه الكتب في صميم شخصية ادولف هتلر.
ونفهم أن اهتمامه كان أقل في البحث والتنقيب في فلسفات شوبنهاور ونيتشه مما هو في التوصل إلى صياغة نظرية سطحية مأخوذة من كتب الجيب ومن كتب التنجيم والعرافة الضخمة. وهنا بالتحديد يمكن أن نميّز فترة تكوين ذهنية بائسة تهتم بالحسابات الصغيرة ومستعدة دائما للصدام أكثر مما هو للنقاش». وهذا ما يجد المؤلف ترجمته في كون أن اهتمام هتلر لم يكن يتجه نحو الكتّاب الكبار، ولكن ما هو «بجانبهم».
هذا الكتاب وصفته صحيفة «واشنطن بوست» أنه أفضل عمل تاريخي لعام 2008.
الكتاب : مكتبة هتلر الخاصة
تأليف: تيموتي دبليو ريبان
الناشر: كنوبف نيويورك 2008
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
Hitler private library, the books that shaped his life
Timothy W. Ryback
Knopf - New York 2008
204.p

