يحاول كتاب «روسيا ما بعد السوفييتية» إلقاء الضوء على مختلف التطورات التي عرفتها روسيا منذ عام 1991 وحتى الفترة الراهنة. وتؤكد المؤلفة فرانسواز دوسيه أن «وريثة» الاتحاد السوفييتي عاشت تحولات تدريجية حقيقية ليس أقلّها الانفتاح على العالم الخارجي وتبنّي قواعد اقتصادية جديدة وحدوث تبدلات كبيرة في نمط حياة المجتمع الروسي.
تبدأ المؤلفة تحليلاتها بفصل عن «الآمال التي خلقتها اللبرالية» في روسيا التي عرفت بعد انهيار المنظومة الشيوعية التي كانت تمثل حجر الأساس فيها توجها «يشوبه الكثير من التردد» نحو الديمقراطية. وذلك بالتوازي مع الانتقال من الاقتصاد المخطط «الاشتراكي» إلى اقتصاد السوق وبالتالي إلى الرأسمالية. وبنفس الوقت الذي أُعطيت فيه بعض الحريات الأساسية وبرز إلى حد ما دور المجتمع المدني، اقتربت روسيا من الديمقراطيات الغربية التي كانت تمثل حتى وقت ليس بعيد المعسكر المعادي.وإذا كانت قد تحققت على الأرض بعض الخطوات فإن النظام القديم أبدى أشكالا مختلفة من المقاومة، كما تشرح المؤلفة، وتجد أكبر مظاهر تلك المقاومة في قيام نوع من النزاع المسلح بين السلطة في الكرملين وبين البرلمان، الأمر الذي كان من نتيجة تحوّل النظام في روسيا إلى «رئاسي» تقريبا.
ونشطت بالتوازي مع ذلك مجموعات من النخب التي «أُعيد إنتاجها». وعرفت السنوات الأولى التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي تحديد نمط جديد للعلاقة داخل ما سُمي بـ «مجموعة الدول المستقلة» أي تلك التي استقلّت بعد أن كانت حتى الأمس القريب جمهوريات سوفييتية.
ويبحث الكتاب الأوضاع الروسية في حقبة بوريس يلتسين. وقد تميّزت تلك الحقبة ببروز «صعوبات على مستوى الفدرالية الروسية»، هذا إلى جانب العديد من المشاكل الاجتماعية ومن الصعوبات الاقتصادية التي عادت بالدرجة الأولى إلى ممارسة «المحسوبيات» وصعود شريحة جديدة من أركان النظام السابق الذين «تسلّقوا» حول السلطة المركزية.
وتشرح فرانسواز دوسيه على مدى فصل كامل كيف أن تعيين بوريس يلتسين لفلاديمير بوتين خلفا له قبل انتخابه من قبل الروس عام 2000 كان مترافقا مع «عودة الدولة». وكانت تلك العودة أيضا بمثابة الإعلان عن «ولادة نظام سياسي جديد» في روسيا.
ولم يقتصر دور الدولة على الصعيد السياسي لكنه برز أيضا، وخاصة، في المجال الاقتصادي حيث وضعت السلطة المركزية ممثلة للدولة يدها عمليا على الثروات الأساسية في البلدان، وفي مقدمتها مصادر الطاقة من بترول وغاز.
وترى فرانسواز دوسيه أن روسيا ابتعدت، إلى هذه الدرجة أو تلك عن اللبرالية. بل وقامت بما تسميه بـ «المنعطف غير اللبرالي». لكن مع ذلك لم تحصل على نفس المكانة التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي سابقا، وكذلك لم تصبح تلك الديمقراطية اللبرالية التي تأمل الاصلاحيون الروس، المدعومون من الغرب الرأسمالي، قيامها في مطلع عقد التسعينات الماضي، وكما بدا للبعض خلال فترة حكم بوريس يلتسين. ما حصل كان في «الاتجاه المعاكس» حيث تعززت السلطة المركزية للكرملين.
وتركّز فرانسواز دوسيه على القول هنا ان فلاديمير بوتين، منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة عام 1999 تبنّى نهجا يرمي بوضوح إلى «وضع يده» على البلاد كلها. وكان مثل ذلك النهج قد تجسّد منذ البداية عبر شعارين. الأول تختصره جملة مفادها: «الديمقراطية هي دكتاتورية القانون». والثاني هو «ترميم سلطة الدولة».
وهذا ما تعبّر عنه مؤلفة الكتاب بالقول: «لقد تحرر الرئيس الروسي- من مبادئ اللبرالية السياسية والاقتصادية من أجل اختراع نظام جرى وصفه أنه نظام سيادي». رفع مثل هذه المقولات ترافق في روسيا مع توجيه النقد لمفاهيم مثل «التحوّل الديمقراطي» و«النزعة الكونية يونيفرسال- اللبرالية».
ورُفعت شعارات جديدة مثل «الديمقراطية غير التنافسية» الملائمة لتطور البلاد بعيدا عن أية «ديمقراطية مستوردة» أراد نظام بوريس يلتسين تطبيقها في روسيا. بكل الحالات تؤكد المؤلفة أنه انطلاقا من عام 2000، أي وصول بوتين إلى السلطة، ازدادت حدة نقد النموذج ؟الموديل- اللبرالي في روسيا، ذلك حتى لو لم يتم الوصول إلى القطيعة معه.
وتشير فرانسواز دوسيه في النهاية إلى أن أحد مصادر القلق الحقيقي والعميق في روسيا اليوم يكمن في الانحسار الديموغرافي الذي بدأ أصلا ولكنه يبدو أكثر تهديدا في الأفق المنظور. ومصدر قلق آخر يتمثل في «تفاقم حدة اللامساواة» الاجتماعية. هذا فضلا عن جعل المجتمع في خدمة الدولة. وتتمثل إحدى النغمات الأساسية في روسيا اليوم بالتأكيد على الخصوصيات التاريخية والثقافية للبلاد.
الكتاب : روسيا ما بعد السوفييتية
تأليف: فرانسواز دوسيه
الناشر: لاديكوفيرتباريس 2008
الصفحات: 122 صفحة
القطع: الصغير
La Russie postsoviétique
Françoise Daucé
La Découverte- Paris- 2008
122.p

