يعتبر عبد الحسين شعبان في كتابه الجديد «نوافذ وألغام» أن أهمية دراسة المجتمع المدني تأتي من زاوية علم الاجتماع السياسي، نظراً لأن تداول المفهوم على المستوى الفكري أو السياسي أو الاجتماعي وفي إطار مقاربة عربية، قد بدأ منذ نحو ثلاثة عقود من الزمن، وبخاصة في بلدان المغرب العربي.
وفيما بعد في بلدان المشرق العربي، في محاولة لتناول مستجدات الفكر العالمي الحديث والمعاصر، الأمر الذي يحتاج إلى تجاوز بعض العوائق، التي تصاحب عادة نقل المفاهيم وتوطينها من خلال دراسة الواقع وتطوره في سياقه التاريخي الدولي والمحلي.يسعى عبد الحسين شعبان إلى كشف بعض المحددات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لنشأة وتطور المجتمع المدني في إطار الدولة الحديثة، حيث ينتقل من العام إلى الخاص، كي يعود إلى العام، ثم يطبق ذلك على الخصوصيات، لفهم السياق التاريخي ولتدعيم فهم دراسة المجتمع والدولة، خاصة وأن مفهوم المجتمع المدني يشتبك مع تخصصات عديدة من علم السياسة إلى علم الاجتماع إلى علم القانون إلى علم الفلسفة إلى علم الاقتصاد وإلى علم الإدارة.
وذلك بالحديث عن وظيفة الدولة والمجتمع وخصائصهما وطبيعتهما. لكن ذلك لا يتم وفق منطق نظري فقط، بل يطبق ذلك على المجتمع المدني العراقي، من خلال تناول صورة المجتمع المدني العراقي، والإشكالات الفكرية، والمشكلات العملية والمؤسسية، وذلك في إطار علاقة العام بالخاص، وأفق تطور مؤسسات المجتمع المدني بحيث تتحول من قوة احتجاج إلى قوة اقتراح، إضافة إلى علاقته بالدولة وواقع حقوق الإنسان من خلال تحديات الداخل وطغيان الخارج.
وترجع بدايات انتعاش المجتمع المدني في العراق إلى أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات حتى الانقلاب العسكري الذي قاده بكر صدقي عام 1936، حيث نشطت العديد من النقابات والاتحادات، التي شملت نقابات عمال الصحف وعمال المطابع وعمال السكك الحديثة، والحرفيين، وتجار السمن والفواكه والخضر واسواق السيارات ومهندسي الميكانيك، والحلاقين والخياطين، وأصحاب المقاهي وجمعية تشجيع المنتجات الوطنية مع فروعها في عدد من المدن العراقية.
لكن المجتمع «غاب» تدريجياً، وتعرض نموه عنوة للإجهاض والانقطاع والتشوه لفترة دامت نحو 35 عاماً، بحيث أكلت الدولة المجتمع المدني، وتغولت السلطة على الدولة وتحكم في السلطة أقلية تربع على رأسها «قائد» بصلاحيات تكاد تكون مطلقة وغير محددة تكبر كل يوم مثل كرة الثلج، وهو ما تجاوز كثيرا ما تم تثبته دستوريا في العام 1970.
ويتوقف عبد الحسين شعبان عند تعرض المجتمع العراقي إلى حصار دولي جائر دام نحو 13 عاماً، طحن عظام العراقيين في محاولة للإمعان في تحطيم كرامتهم وإذلالهم، تمهيداً لاحتلال بلدهم.
وعليه أصبح الحديث عن دور المجتمع المدني أقرب إلى الكماليات والترف الكري منه إلى الحاجة اليومية الماسة في ظل حروب وحصارات طويلة الأمد واستبداد وسياسة الحزب الواحد والزعيم الواحد، وحصل ذلك في ظل تراجع الطبقة الوسطى وتحالفات جديدة بين العسكر وفئات متحدّرة من أوساط ريفية، ابتدأت منذ أواخر الخمسينات وتعاظمت في الستينات، وبدلاً من أن تمدن المدينة الريف، تم تزييف المدن سلوكاً وقيماً بما في ذلك اختلال معايير العمران والجمال، والتي صاحبها تدمير للطبقة الوسطى وجعل الدولة تتغول على المجتمع بأكمله أو على كل فرد من أفراده بالتجاوز على الحقوق والحريات العامة والخاصة.
الكتاب: نوافذ وألغام المجتمع المدني الوجه الآخر للسياسة
تأليف: د. عبد الحسين شعبان
الناشر: دار ورد الأردنية عمان 2009
الصفحات: 384 صفحة
القطع : الكبير
عمر كوش

