يتناول الباحث ماجد الحاج في كتابه «الشتات الروسي في إسرائيل» الجوانب المختلفة للمهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق إلى إسرائيل والدوافع وراء هذه الهجرة والتكوين الإثني وأنماط الهوية والتوجهات الاجتماعية والخلفية السياسية لدى هؤلاء المهاجرين.

كما يركز في تحليله على انعكاسات هذه الهجرة على النسيج الاجتماعي والثقافي الاسرائيلي.

يستعرض المؤلف التركيبة الاجتماعية لإسرائيل ويقدم خلفية عن النسيج الاجتماعي للمجتمع الإسرائيلي، وتركيبته الإثنية والقومية، مع تحليل العلاقة بين الهجرة والإثنية والترتيب الطبقي في المجتمع. ويتناول كذلك تداعيات الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني من ناحية، والثقافة السياسية الإثنو ـ قومية في المجتمع الإسرائيلي من ناحية أخرى، وذلك في إطار منظومة التعددية الثقافية في المجتمع المدني.

يؤكد ماجد الحاج على ان ظاهرة الهجرة إلى إسرائيل هي ظاهرة عامة تشبه الكثير من موجات الهجرة العالمية والتي تقف وراءها دوافع اقتصادية واجتماعية، ساعدتها بيئة سياسية مواتية تمثلت في بدايات انهيار الاتحاد السوفييتي، وليست دوافع أيديولوجية.

كما يوضح الحاج أن الوصف الإسرائيلي للهجرة الروسية على أنها ظاهرة فريدة من نوعها هو جزء من مقومات الأيديولوجية الصهيونية التي ترى في زجمع الشتاتز أحد أركانها. وخلافاً لذلك يرى الكاتب أنه لا يمكن تسمية المهاجرين الروس بالشتات اليهودي العائد إلى إسرائيل، بل بالشتات الروسي في إسرائيل.

وما يعزز هذا الطرح أن هؤلاء المهاجرين هم أكبر مجموعة إثنية على أساس نفس البلد الأم. وبالتالي يعتبر هذا الوضع مدخلاً جديداً لفهم الهيكل الإثني في إسرائيل، والذي اعتمد حتى الآن على قطبين أساسيين هما: الأشكناز(الأوروبيون والأمريكيون) والسفرديم (العرب والأفارقة والآسيويين).

ومع الأخذ في الحسبان المميزات الثقافية للمهاجرين الروس ومواقفهم تجاه الثقافة الإسرئيلية مقابل الثقافة الروسية الأم والبنية الاجتماعية والمؤسسية وأنماط التنظيم السياسي والثقافي، فإن هؤلاء المهاجرين يشكلون مجموعة إثنبة منفردة.

وسوف تحول هذه المجموعة الهيكل الإثني إلى هيكل ثلاثي القطبية، بما يعطي القطب الروسي ـ الإسرائيلي دوراً كبيراً بما في ذلك استبدال النخب الأشكنازية بنخب روسية ـ إسرائيلية في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية.

وتلعب المنظمات اليهودية دوراً كبيراً في الحفاظ على الثقافة الروسية بين المهاجرين إلى إسرائيل، وفي تقوية روابط الاستمرارية الثقافية مع الوطن الأم.

لقد أتاحث ثلاثة عوامل لهؤلاء المهاجرين فرصة تأسيس منظمات خاصة بهم تحافظ على هويتهم الثقافية وهي: خصائص المهاجرين وتوجهاتهم، والتحولات في سياسية الاستيعاب التي تتبناها الحكومة، والتحولات في توجهات الإسرائليين القدامى.

يركز الكتاب على مسالة زالاعتزاز الثقافيس والتظيم الروسي ـ الإثني بين المهاجرين ومدى تمسكهم بوسائل الإعلام الناطقة باللغة الروسية وبالعبرية، ومدى إدراكهم لهويتهم الذاتية (إسرائيليون ـ يهود ـ صهاينة ـ يهود من الاتحاد السوفييتي السابق ـ مهاجرون من الاتحاد السوفيتي السابق).

وهو الأمر الذي يوضح مدى التعقيد الذي منح هذا التميز للتكوين الإثني للمهاجرين الروس منذ وصولهم إلى إسرائيل. وعلى الرغم من أن تلك الهجرة مثلت في بادئ الأمر دافعاً نحو السلام، كوسيلة لتحقيق الأمن وللحفاظ على يهودية إسرائيل واستقرار مكانتها، وشكلت عاملاً محفزاً للتحول من الصراع إلى السلام الذي يبشر برخاء اقتصادي في ظل مناخ أمني مستقر، الأمر الذي يمثل عنصر جذب لأعداد أخرى من المهاجرين لاستيعابهم في المجتمع الإسرائيلي على أساس برجماتي (عملي وعقلاني وواقعي).

وليس على أساس أيديولوجي، إلا أن السنوات الماضية شهدت على أن المهاجرين الروس في إسرائيل هم أشد تطرفاً في مواقفهم تجاه إنجاز تسوية تكون طريقاً نحو السلام مع الدول العربية والفلسطينيين. وهم متأثرون في هذا لتوجه بتنشئتهم السياسية السابقة وبرغبتهم في أن يجدوا لهم مكاناً في ظل الإجماع القومي الإسرائيلي.

ويؤكد استقراء مواقف قيادتهم السياسية وتوجهات صحافتهم إلى أنهم قوة تدفع بالمجتمع الإسرائيلي نحو الراديكالية. وشكل التدهور الحادث في عملية السلام الإسرائيلية ـ الفلسطسنية منذ عام 2000 وعودة حالة الصراع العنيف، حافزاً لتنحية الخلافات الداخلية اليهودية ـ اليهودية. ومثلت تلك الحالة بيئة مناسبة لتعديل الهيكل الإثني للمهاجرين من الإثنية المتطرفة إلى زالإثنية المرنة التي يمكنها الامتزاج مع الإثنيات الإسرائيلية والتوغل في النسيج المجتمعي الإسرائيلي.

ويطرح المؤلف في الختام تساؤلاً حول مدى اعتبار تجربة التعبئة الإثنية الناجحة للمهاجرين الروس دافعاً لليهود الشرقيين لإعادة النظر في استراتيجيتهم التعبوية، ومدى مشاركة النخبة الروسية في نظام السلطة مع نخبة الأشكناز، ومدى قدرتهم على الحلول محلهم بالتدريج، وحول إمكانات تقريب المسافة الاجتماعية بين المهاجرين الروس وبين العرب.

الكتاب: الشتات الروسي في إسرائيل

المؤلف: أ.د. ماجد الحاج

الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية

رام الله 2008

الصفحات: 344 صفحة

القطع: الكب

محمد جمعة