هذا كتاب للقارئ المتخصص بشكل أساسي نظرا لطبيعة موضوعه التي قد تبدو بالغة التعقيد، وهو ما نلمسه في إشارة المؤلف دانيال تشاندلر إلى صعوبة مادته من خلال قوله أنه قد يكون من الصعب على المرء المهتم أن يدخل إلى مكتبة لبيع الكتب ويطلب كتابا عن السيميائية حيث أنه قد يقابل بنظرة استغراب وقد يجد نفسه في مأزق حال طلب منه تعريف السيميائية. ومن هنا يحاول المؤلف تعريف السيميائية .

فيذكر أن أقصر تعريف لها أنها دراسة الإشارات، فباستثناء ذلك لا يتفق أعلام السيميائية على ما يتضمنه المصطلح. وإن كان الاتفاق العام في تعريف السيمياء يتمثل في أنها العلم الذي يدرس حياة العلامات وأنظمتها وفي ذلك أشار دي سوسير الى أن السيمياء علم يدرس حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية، فهو يطلعنا على كنه هذه الدلائل وعلى القوانين التي تحكمها والتي ستكون قابلة لأن تطبق على اللسانيات.

وتعود أهمية الكتاب إلى أنه ـ حسبما يصفه مترجمه ـ جامع من حيث مضمونه حيث يعود إلى بدايات السيميائية مع دي سوسير وبيرس اللذين ولد هذا العلم على يديهما، فضلا عن كونه يقودنا إلى السيميائيين المعاصرين لنا كإمبرتو إيكو وستيوارت هال. وهو حسب مؤلفه محاولة ليكون الكتاب رفيقا للقارئ في إطلاعه على كتب سيميائية أصعب تتطلب معرفة معظم مفردات الاختصاص.

وفي محاولة للتحديد يشير دانيال تشانلر إلى أن السيميائية إنما تعد مجال واسع جدا لا تملك أي معالجة له أن تكون شاملة، حيث توجد فيها مدارس فكرية مختلفة ويغيب عنها بشكل ملفت إجماع المنظرين المعاصرين حول اتساع مجالها وأفاهيمها الأساسية وأدوات التحليل فيها.

ويوضح المؤلف أن الهدف من دراسة السيميائية التركيبية دراية موسعة في الكتاب هو تقديم ما يحتاجه القراء الساعون إلى استعمالها في معالجة النصوص وإن كان يستدرك بالقول إن السيميائية لا تقتصر أبدا على كونها طريقة لمعالجة نصوص وسائل الإعلام على أنواعها معربا عن أمله بأن يحمل القارئ إلى تعميق بعض المسائل الفلسفية المشوقة التي يثيرها السيميائيون.

وينفي المؤلف صفة العلم عن السيميائية، مخالفا بذلك الكثيرين ممن تطرقوا لها، واصفا إطلاق ذلك عليها بأنه اتجاه مضلل، في ضوء أن السيميائية حتى الآن لا تملك حسبا يشير مسلمات نظرية أو نماذج أو منهجيات تطبيقية يقوم حولها إجماع واسع، فضلا عن كونها لا تزال نظرية إلى حد بعيد.

ويركز الكتاب على السيميائية البنيوية والنقد الذي وجهته إليها ما بعد البنيوية مشيرا إلى صعوبة الفصل بين بدايات السيميائية الأوروبية وبدايات الألسنية معرفا البنيوية بأنها منهجية تحليل تقتضي تطبيق النموذج الألسني على مجموعة أوسع من الظواهر الاجتماعية.

وحسب المؤلف فيما يمكن اعتباره إطاره التعريفي للسيميائية في ضوء حقيقة صعوبتها فإن البنيويين يبحثون عن التراكيب العميقة الكامنة وراء السمات السطحية في منظومات الإشارات، وقد بحث عنها ليفي شتراوس في الأسطورة وقواعد القرابة الطوطمية كما بحث عنها لاكان في الوعي السردي ورولان بارت وغريماس في قواعد السرد.

ويشير المؤلف إلى أن السيميائيين عامة يعتبرون أن الأفلام والبرامج التليفزيونية والراديو وملصقات الإعلان وما إلى ذلك هي نصوص ويتحدثون عن قراءة التليفزيون ويرى بعضهم أن وسائل الاتصال كالتليفزيون والأفلام هي في بعض جوانبها كـ «اللغات». وفي ثنايا عرضه لأسس موضوعه يشير المؤلف الى أن السيميائية الاجتماعية المعاصرة تخطت المنحي البنيوي الذي يركز على المنظومات الدالة كاللغات وأنها تسعى إلى دراسة استخدام الإشارات في أوضاع اجتماعية محددة.

ويقدم المؤلف السؤال الذي قد يرد على ذهن أي قارئ حول السيميائية وهو: لماذا يجب علينا دراسة السيميائية؟ في ضوء ما هو معروف من كتابات أصحابها من ازدحامها بالمصطلحات، مشيرا إلى عبارة بالغة الدلالة والسخرية في آن لأحد النقاد يصفها بأنها لا تخلو من البراعة يقول فيها: تخبرنا السيميائية عن أشياء نعرفها، لكن بلغة لن نفهمها أبدا!.

ورغم ما يبدو إيمانه بأن السيميائيين قد يكونون ألفوا ناديا خاصا بهم في ضوء صعوبة المجال الذي يتناولونه إلا أن المؤلف يؤكد على أن اهتماماتهم لا تعنيهم دون غيرهم.

وحسبه، لا يجدر بأي امرئ يهتم بكيفية تمثيل الأشياء أن يتجاهل معالجة تركز على سيرورة التمثيل وتطرح إشكالاته. حتى الذين لا يقبلون بموقف أنصار ما بعد الحداثة ـ أن لا وجود للواقع خارج منظومة الإشارات ـ قد تساعدهم السيميائية على أن يعوا أكثر دور الوسيط الذي تقوم به الإشارات والأدوار التي يقوم بها الأفراد في تشييد الواقع الاجتماعي.

الكتاب: أسس السيمائية

تأليف: دانيال تشانلر

ترجمة: طلال وهبه

الناشر: المنظمة العربية للترجمة بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد 2008

الصفحات: 511 صفحة

القطع: المتوسط

مصطفى عبدالرازق