في الحديث عن الشعر الكردي المعاصر بمختلف تبايناته، وتلاوينه، وتجاربه...لا يمكن، بأي حال، إغفال اسم الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكه س، الذي يعد واحدا من أهم، وأقوى الأصوات الشعرية خلال العقود الثلاثة الماضية. هو ينتمي إلى جيل لم يعرف سوى طعم الحرمان، والثورات «الخائبة» التي وجدت صداها في قصيدته.

كان والده الشاعر فائق بيكه س يكتب شعرا سياسيا حماسيا، وعند رحيله الباكر لم يرث ابن السابعة سوى مكتبة صغيرة، وأحزان الأم الكبيرة التي وهبته فضيلة «القص والشعر والتحليق نحو ضفاف الخيال» عبر سرد الحكايات في ليالي الشتاء الباردة والطويلة. قرأ بيكه س الشعر العربي، وبنى صداقات مع شعراء وكتاب العاصمة العراقية.وتابع ما يصدر في العواصم العربية كالقاهرة وبيروت ودمشق، وبتأثير من هذه الأجواء أصدر بيكه س، في مطلع السبعينات، مع مجموعة من الأدباء الكُرد، بيان «روانكه ـ المرصد» الذي دعا إلى حداثة شعرية عبر تجديد اللغة الشعرية، وتصحيح الممارسة النقدية، بيد أن هذه الأحلام عصفت بها اتفاقية الجزائر العام 1975 التي أنهت الثورة الكردية، وأذنت بتراجيديا جديدة إذ بدأت الحملات الأقسى لتهجير الكرد وسحقهم.

يستحق بيكه س أن يكون «ملكا للكلمات»، كما ارتأى المترجم برواري حين اتخذ من هذا اللقب، المستل من إحدى قصائد الشاعر، عنوانا لهذه المختارات، فهذا اللقب الذي لم ينسبه الشاعر لنفسه، جاء بعد تجربة شعرية بلغت نحو خمسة عقود استطاع، خلالها، أن يتربع المشهد الشعري الكردي، إذ أسلمت له الكلمات قيادها، واجتمعت الحروف البهية على ضفاف قاموسه الشعري.

وتراقصت المفردات من حول شغفه المزمن بالصور الآسرة والخيال الخصب، وهو راح يتجول في حدائق الشعر باحثا عن الرحيق والشذى والعبير، ليصوغ منها قصائد استقرت في الوجدان، والذاكرة حتى غدا رمزا، وسفيرا مخلصا للشعر الكُردي في لغات بعيدة، وثقافات نائية.

لا مبالغة في القول، إذا، بان بيكه س تمكن من احتلال موقع مرموق إلى جانب القامات الشعرية السامقة في ثقافات العالم من أمثال ناظم حكمت، ورسول حمزاتوف، وبابلو نيرودا، ولوركا، ومحمود درويش...

وسواهم من الشعراء الذين سطروا ملاحم شعوبهم، وسجلوا بطولاتها، وأحلامها، وآمالها، وآلامها... حتى تحولت دواوينهم الشعرية إلى أغنية تتردد على الشفاه، والى ذاكرة نابضة بالحياة، والى وثيقة صادقة لأمم تتطلع إلى الحرية، والعدالة، موقنين «أن الشعر قادر على إنقاذ العالم»،.

كما يعبر الشاعر الانجليزي شيموس هيني، الفائز بجائزة نوبل الآداب عام 1995م.اختار المترجم برواري قصائد هذا الديوان من مجموعتين شعريتين صدرتا للشاعر في فترتين مختلفتين: أولاهما ديوان (كازيوه ـ الشفق) الصادر في نهاية السبعينات، وثانيهما ديوان ( نسي ـ المفيأة) الصادر في نهاية التسعينات.

ولعل هذا الاختيار جاء بغرض إلقاء الضوء على التطور الذي أصاب جملة شيركو الشعرية، والتحولات التي طرأت في مسار هذه التجربة الشعرية الغنية، وقد حرص المترجم برواري على أن يقدم ترجمة تكاد تختلف عن غالبية الترجمات التي تصدت لشعر بيكه س، والتي لم تنل رضا الشاعر يوما. نحن هنا إزاء قصائد مترجمة إلى لغة عربية صافية؛ سلسة، فقد لجأ المترجم إلى اختيار أكثر المفردات يسرا.

لكنه، رغم ذلك، لم يشأ أن يتعامل مع لغة بيكه س بتساهل، بل يتضح بأنه قد غرق في القواميس اللغوية والمراجع حتى عثر على المفردة الملائمة، المعبرة عن الظلال الغافية بين سطور الشاعر، وحروفه المتوهجة.

الديوان يحوي ثمانٍ وستين قصيدة تتنوع مواضيعها وأغراضها، وتتكثف أجواؤها ومناخاتها، فأحيانا يلوذ الشاعر بالطبيعة ويرتمي في أحضانها، وكأنه يطمح إلى الذوبان مع حفيف الشجر، وخرير الماء، وبياض الثلج، وفي أحيان أخرى يلتفت إلى همومه الذاتية، إذ يدون أحزانه وحنينه وأشواقه، أو يبوح بصوت شجي ليعلن عن هيامه بامرأة فاتنة حسناء تجلس بحياء قرب بيت قصيدته، وفي أحيان أخرى يمضي بيكه س نحو آفاق أكثر رحابة، إذ يعانق الثقافة الإنسانية، ويقتفي أصداء الأصوات العذبة التي سطرت أجمل القصائد.

ورغم انهماك بيكه س بهمومه الفردية، وانشغاله بترتيب أوجاعه، وآماله المؤجلة، إلا أن صورة بلاده كردستان لا تفارق يومياته، فهي لا تني تطل برأسها، وتستقر في متن القصيدة، بجبالها، وأنهارها، ووهادها، وآهاتها، ودموعها، وتاريخها، وثوراتها.

الكتاب: ملك الكلمات مختارات شعرية

تأليف : شيركو بيكه س.

الترجمة : صلاح برواري

الناشر: دار الينابيع دمشق2008

الصفحات: 154

القطع: المتوسط

ابراهيم حاج عبدي