يرصد القاص عبدالإله عبدالقادر في مجموعته «مدينة بلا أبواب» جوانب عديدة من حياة العراق الجديدة بعد الاحتلال: عن «البطّة» أو المجنزرة القناصة التي تجوب الشوارع ويتسلّى أفرادها بقتل بسطاء الناس في الشوارع والأسواق تحت أعين وأنظار دوريات الحكومة، والمدينة بشكل عام ستبدو عبارة عن محطّة أشباح، تعيش في ظلمة دائمة، والناس يتملكهم الخوف ويسيطر على أفعالهم، بحيث إن أم عزوز التي تقتل برصاص القنّاص وتسقط جثة هامدة في ساحة السوق الشعبي، لن تجد من يسعفها أو يعرف ما الذي سيفعله بابنها الذي ظلّ ملتصقاً بجسدها صارخاً «يمه ليش تنامين بالشارع؟؟».
وفي قصّة أخرى سوف يستعرض حكاية «حنا طوبيا» المسيحي الأخير في البصرة، تلك المدينة الساحرة وقد استحالت الآن مدينة أشباح يعيش فيها المسيحي الأخير الذي لم يهاجر منها شأن أبناء ديانته الآخرين، وبالرغم من أنه كان يمتلك أجمل بارات المدينة وقد شهد حفلات غنائية لمطربين كبار، يضطر اليوم لإخفاء ديانته في تلك المدينة التي اشتهرت بتسامحها وتكاتف أبنائها، بل إنه يخاف من الاحتفال بعيد الميلاد داخل بيته، لأن فضاء المدينة حوّلته الميليشيات إلى أصوات صادحة للطبول والصنوج وأناشيد العزاء والرادود .
في ليلة عيد الميلاد، وبينما الأسرة توقد شموع الفرح والأمل كانت البصرة مدينة مظلمة، ومن سائر الأصدقاء الذين اتصل بهم أو دعاهم جاءه اثنان ليشاركوه وأسرته أعياده، فتضيء شموع الحفل الصغير ليل البصرة الطويل.
وعن «خيون» ولد «طيبوثة» الكاتب الذي هاجر من البلد إثر ملاحقة أجهزة السلطة له، فينتقل من بلد لآخر حتى يستقر في بلاد الإنجليز الذين كانوا احتلوا العراق سابقاً، وناضلت أسرته ضدهم، وهي تشكّل أسرة نموذجية طيبة لأبناء العراق الذين نادوا بالتحرر من الاستعمار وخرجوا في المظاهرات المنددة للاعتقال والسجون في العهد الملكي.
يرصد القاص معاناة أمه وافتقادها له، وإبان ذلك سوف يرصد محطات كثيرة لهذه الأسرة الوطنية، غير أن الجدة أم عباس تقول: كان الانجليز أرحم علينا، وبالفعل هم اليوم أرحم على ابنهم الذي افتقد الأمان في بلده إبان الحكم الاستبدادي السابق.
وبتعبيره: هي الحكومة، العبارة التي رددتها أم حنون في العهد الملكي ثمّ رددتها في العهود التي تلته «مع كلّ مغامر زيّن كتفيه بكواكب ذهبية، وتفننوا في بناء السجون أكثر مما عملوا في بناء المستشفيات..» هي الحكومة إذن التي عندما عاد «خيون» بشعره الأبيض ووجهه المجعد إلى بلاده لم تقدّم له الأمان اللازم، بل إن عائلته التي كانت تشتاقه وتفتقده أخبرته بأنه من الأفضل له أن يعود من حيث أتى حماية لنفسه وأهله، فعاد إلى حيث الأمان في بلاد الإنجليز.
وعن الرئيس الذي ظلّ خمسين عاماً يخطب في هذا القطيع، وعند كلّ خطاب يرفعون الشعارات واللافتات بتمجيده ويهتفون بفداء حياته بأرواحهم: النمط الكلاسيكي للديكتاتور، وفي سرد مشهدي يميل إلى العبث واللامعقول سيرصد الكاتب اللحظات الأخيرة من حياة هذا الرئيس الذي لم يتوان عن قتل الفريق الطبي الذي أخبره بالحقيقة، إلاّ أنه وخلال أحد خطاباته الكثيرة سيشعر بوعكة ويقع ميتاً، فتدوسه أقدام مساعديه ليبرز واحد منهم شاهراً مسدسه ليؤدي الدور نفسه وهو يقول: إذا كنتم تحبون الرئيس فإن الرئيس قد مات، إلاّ أن أفكاره باقية معنا، ونحن رفاق دربه وحملة شعلته التي لا تنطفئ.
وإلى ذلك فإن القاص في سائر قصصه الأخرى سيرصد الكثير من مفارقات الواقع الإنسانية، محاولاً رصد دواخل شخصياته ولحظات الانكسار التي يعيشونها لكثير من القضايا الاجتماعية أو قصص الحبّ وذكرياته في أشكال سردية مختلفة منها ما هو خطّي وآخر مونولوجي، إلاّ أن ما يلفت النظر في ختام المجموعة هو سعيه إلى التجريب في حقل الـ «ق.ق.ج» فلا تخلو القصص من بعض الومضات المشهدية التي يلتقطها مخرج مسرحي لأوضاع وحركات إنسانية منها على سبيل المثال: «ذيول الكلاب» التي يصور من خلالها أحد ذيول السلطة الذين كانوا بمثابة بوق متنقّل لها، وعندما سقطت أراد الالتفاف، إلا أن مدير التحرير رفض أن تكون جريدته بوقاً لذيول الكلاب.
الكتاب: مدينة بلا ألوان
المؤلف: عبدالإله عبدالقادر
الناشر: دار العين القاهرة 2008
الصفحات: 79 صفحة
القطع: المتوس
عزت عمر
