منذ ثلاثين عاماً، بدأ الفنان خالد علي الجلاف ممارسة فن الخط والرسم، وشارك في العديد من المعارض الجماعية إلا أن متحف الشارقة للخط بإدارة بثينة الرصاصي، بادر بإقامة أول معرض استعادي له من خلال عرض 23 لوحة تم اختيارها من مراحل متنوعة من مراحل إبداعه.

يرفض الفنان خالد علي الجلاف أن نطلق عليه تسمية الخطاط فهو يعتبر نفسه فناناً تشكيلياً قبل كل شيء،ويؤمن بالدمج بين الحروفية والخط الكلاسيكي. ففي لوحاته تجد آيات قرآنية، أو أحاديث أو أبيات شعرية مكتوبة بسطر مجوّد لكن الحرف هو الرمز الطاغي في لوحاته. وهو من الفنانين القلائل الذين يسيرون على خطى «ابن البوب» و«ابن مقلة»، متمسكاً بجماليات الخط العربي، جوهر الحضارة العربية الإسلامية لدرجة أنه لا يزال يستخدم أقلام القصب وأنواعاً من الأوراق والأحبار. في حوارنا معه، تحدث عن رحلته في عالم الخط التي بدأها منذ ثلاثين عاماً:من أين تستوحي لوحاتك وخطوطك؟في إحدى زياراتي إلى بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وهو بيت تراثي قديم قبل أن يُهدم ويعاد بناؤه، وجدت كتابات خطية على مدخل البيت حرّكت في داخلي هاجس الخط ، فقلت في نفسي لماذا لا أضع هذه الكتابات في رسوم؟

لذا قمت بإدخال الحروف في شكل اللوحة الأصلية. ثم بدأت أجد خطوطي في أبيات من الشعر العربي، على سبيل المثال كالبيت التالي «إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليست ترمي سوى العالي من الشجر».

كما أجد خطوطي أيضاً في الحالات التي أمّر بها، على سبيل المثال، عندما كنت على فراش المرض، وجدت في لوحة «لا حول ولا قوة إلا بالله» خير معين لاستحياء لوحة خطية، فهذه حالة استرجاع وطلب الشفاء من الله.

إلى أي سنوات تعود هذه اللوحات؟

عندما نقول معرض استعادي يعني أن اللوحات تعود إلى سنة 1990. لقد شاركت في عشرات المعارض الجماعية في داخل الإمارات وخارجها. وحاولت أن أضمّن المعرض بداياتي الأولى ليطلع الجمهور عليها من خلال إعطائه نبذة مختصرة عن مراحل تطوري الفني. لكن غالبية الأعمال في المعرض تعود إلى الفترة الحالية لأنها تحمل دلالاتها وتجربتها الخاصة في النضج والتخييل. هذه اللوحات تمثل مراحلي الحياتية منذ بداياتها حتى الوقت الحاضر.

وهنا لا بد لي أن أقد شكري إلى متاحف الشارقة وبالذات متحف الخط ومديرته السيدة بثينة الرصاصي التي بادرت لإقامة هذا المعرض الاستعادي الأول بعد أن أمضيت ثلاثون عاماً في هذا الفن.

منذ متى وأنت منشغل بالخط العربي؟

منذ أن تعرفت على الفنان عبد القادر الريس في 1977، وكان متوقفاً عن الرسم آنذاك، فطلبت منه أن يعلمّني الرسم، فنصحني بالذهاب إلى الخط العربي. وبدأت أقلد خطوط الصحف، وخاصة خطوط جريدة «الاتحاد» إلى أن وصلت أن أخط أكتب فناني الصحف الذي يغلب على خطوطهم طابع السرعة.

بعد ذلك، قام بزيارتنا مجموعة من الفنانين العراقيين في 1980، منهم الأستاذ علي ندا، ونزار الدوري، أستاذي، وهو الذي أحدث نقلة نوعية في حياتي لأنه علمني كيف تُكتب اللوحة الخطية على أصولها، وجلب لي «البوص» أي «القصب» من منطقة ديزفزل الإيرانية المعروفة بأفضل أنواع القصب، وعلمّني كيفية استخدام الحبر. ثم تعرفت على الخطاطين أولاً والتشكيليين ثانياً، فتوصلت إلى مرحلة المزج بين الخط والتشكيل كما تجدها في تجربة معرض الحالي.

إذاً أنت تركز على اللوحة الخطية باعتبارها رؤية بصرية وجمالية؟

يجب على اللوحة الخطية أن تخرج من إطار التبرك. كثيرون يقتنون لوحات مثل «آية الكرسي» يقرؤونها حتى الملل، لا أقول من قراءتها بل من شكلها المغطى بالأسود والأبيض وفي إطار قاتم، لكني أريد من خلال لوحاتي الخطية أن أجذب الرؤية البصرية للناظر، وكل ما تحتويه من فن ورؤية ولون. يعتقد البعض أن هذا الفن مقتصر على العرب لأنهم غير قادرين على قراءة خطوطه، والبعض الآخر يضعه للتبرك، لكني أحاول إخراج اللوحة الخطية من هذا الإطار لتصبح لوحة تشكيلية وجمالية.

ما هي الدلالات الفلسفية للخط العربي في نظرك؟

اليابانيون والصينيون لا يمتلكون سوى خط واحد، فما بالك نحن كعرب نمتلك عشرات الخطوط المتنوعة، وكل واحد أجمل من الثاني، لذلك ما نكتبه هو عبارة عن فن يمتد بجذوره إلى حضارتنا وثقافتنا.

نحاول أن نبرز هذا الفن ولكن برؤية عصرية وبأسلوب جميل، محبّب عند المشاهد العربي والأجنبي على حد سواء. كثير منهم يقتنون لوحات ضعيفة فنياً ولكنها تحتوي على نكهة شرقية، لكنني أحاول أن أعطيهم لوحة بجماليات الخط العربي ومحببة إليهم في آن واحد.

على سبيل المثال، نص مثل «شهد الله أنه لا إله إلا هو». «.. إنها أجّل شهادة وأصدقها وأعظمها من أجّل شاهد ومن أجل مشهود به»، كتبتها في مكان وحاولت تقديمها بأسلوب حديث وكذلك قول الأمام علي «إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس تذكر قدرة الله عليك». الخط العربي يتضمن التشكيل والتجريد والدلالات الفلسفية العميقة.

ما هو رأيك بالفنانين الحروفيين؟

إنني واحد منهم ولكن ليس في الأعمال الموجودة في المعرض، فالحروفيون أرادوا إخراج اللوحة من الكلاسيكية، فاستخدموا أصول الحرف العربي في شكل تجريدي أضفت جمالاً على اللوحة. وأعطى التجريد العربي هوية بعيداً عن التجريد اللوني. لكن عندما يضع الفنان عبد القادر الريس في لوحاته حرفي الواو والحاء، يقوم بإدخال الهوية العربية على التجريد اللوني. لكنني ضد استخدام الحرف المشّوه الذي يقوم بتكسير قواعد الخط المتمسك بأصوله التقليدية.

ولكن معظمهم يعتبرون الخط لوحة؟

هناك الخطاط حسن المسعودي يكتب الحرف العربي بأسلوب أوروبي ولكن بشكل جميل. وعندك الصكار، يستخدم الحرف العربي في لوحات تجريدية، وغني العاني وهو التلميذ الوحيد لهاشم البغدادي، أدخل الحروفية بعد أن كان كلاسيكياً.

هل تعتقد أن الخط الإماراتي وصل إلى مرحلة متقدمة؟

استطيع أن أقول أن الفضل يعود إلى الله وللإمارات في قيام نهضة خطية على مستوى العالم، لأن هذا الفن كاد أن يندثر لولا جهود صاحب السمو الدكتور سلطان القاسمي، حاكم الشارقة والأستاذ الأديب محمد المّر ومعالي عبد الرحمن العويس، في إقامة المعارض واقتناء اللوحات وتشجيع الخطاطين.

ولا ننسى توجيهات صاحب السمو محمد بن راشد، والشيخ ماجد في هيئة الثقافة والفنون، ودائرة السياحة، وملتقى الخط العربي في الشارقة في تشجيع الخطاطين. ويقتني الإماراتيون عدداً كبيراً من لوحات الخطاطين في العالم مما ساهم في نهضة الخط العربي. وتسير على خطانا كل من الكويت والسعودية.

هل ترى نفسك خطاطاً أم فناناً تشكيلياً؟

أنا خطاط بتفكير تشكيلي. اللون والكتلة الفنية والموضوع يكتسبون أهمية عندي. إنني أعيش اللوحة الفنية بكل تفاصيلها. على سبيل المثال، أجد أن موضوع غزة موجود في كثير من الآيات لأنها تبشر أهل غزة بالانتصار والصبر كما في الحديث الشريف «لا تزال طائفة من أمتي المرابطين على الحق»، فقد بدأت أهتم بهذا الحدث لأستوحي منه لوحة خطية لأن الفنان يجب أن يهتم بما يدور حوله. لذا أقول أن كل لوحة لها قصة وكل لوحة لها معنى.

كيف تفهم استمرارية هذا الفن؟

أتمنى أن يخرج الخطاط من التاريخ القديم، ويبحث عن نصوص لها علاقة بواقعنا الحالي وعصرنا الحديث. كما أدعوهم للخروج من الأسود والأبيض إلى الألوان وجمالياتها في اللوحة الخطية، لأنها تحمل روحه الفنان وبصمته.

هل هناك سوق للوحات الخطية في الإمارات؟

نعم هناك ما نطلق عليهم الـ «جمّاعة» الذين يقتنون الأعمال الجيدة، وهم يتمتعون بثقافة واسعة ويتوفرون على معايير اللوحة الخطية أكثر من الخطاطين أنفسهم أحياناً بل يعرفون من أين يقتنون اللوحات الخطية: من تركيا ومصر وإيران وسوريا. كما يقومون بتكليف الخطاطين بلوحات معينة تتناغم مع احتياجات السوق.

جوائز وأنجازات

* فاز خالد علي الجلاف بعدد من الجوائز المحلية في مجالي الخط العربي والرسم.

* عضو مؤسس لمجلة الخطاط قديماً وعضو مؤسس في هيئة تحرير مجلة «حروف عربية».

* شغل منصب أمين عام جمعية الإمارات للفنون التشكيلة في دورات مختلفة سابقاً.

* أعماله المنتقاة تمثل الدولة في المعارض الخارجية: الكويت، عمان، المغرب، البحرين، قطر، فرنسا، النمساـ أسبانيا وغيرها.

شاكر نوري