الدكتور أحمد الهاشمي، مدير منطقة دبي الطبية، من الأصدقاء القلائل الذين أعتز بصداقتهم وبمعرفتهم، عرفت فيه دماثة الخلق، وحبه للمعرفة، ما مكّنه من تسنم مكانة اجتماعية مرموقة، ووظيفية منظورة.
بالأمس القريب اهداني صديقي نسخة من (لغة الضاد) لمؤلفه صديقنا العزيز أحمد السيد إبراهيم الهاشمي، حيث أتيت عليه في أقل من ساعتين، ومما لا شك فيه أنه جهد يحمد عليه الدكتور الهاشمي، المعروف عنه حبه للغة الضاد وحرصه عليها لئلا تتوارى خلف سديم هذا الخليط من الرطانة التي تعج بها بلادنا الحبيبة. ومما لفت انتباهي في الصفحة 32 من المؤلف (لغة الضاد) فقرة تقول:«وكانت اللغة العربية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم محصورة في شبه الجزيرة العربية، وبعد ظهور الإسلام انتشرت في الشام ومصر، والمغرب العربي وفارس والهند والاندلس» فلقد اصاب الدكتور الهاشمي حينما قال: بعد الإسلام، انتشرت العربية في فارس والهند، وإلى هذه الحقيقة أشار إسرائيل ولفنسون في كتابه «اللغات السامية» إذ قال: ص 215 «الانقلاب العظيم حدث عقب ظهور الإسلام.. فقد انقلبت العربية إلى لغة عالمية تتكلم بها شعوب كثيرة جداً».
والجدير بالذكر أن ولفنسون هذا مستشرق يهودي، وفي الصفحة 204 يقول: «كانت اللغة العربية قد انتشرت في جميع أنحاء صحراء سوريا ونجد والحجاز في العصور القريبة من ظهور الإسلام»، وقال أيضاً ص 206: «كان الاضمحلال الذي أصاب سوريا في القرنين الرابع والخامس ب.م ? أي قبل البعثة بقرنين ? قد أدى إلى محو بعض اللهجات الآرامية من بادية سوريا وطور سيناء، وجعل أصحابها يخضعون للغة العربية». هذه شهادة يهودي والفضل ما شهدت به الأعداء.
وجاء في «دائرة معارف القرن العشرين» 7/73: «الغساسنة: هم آل جفنة .. أصلهم من اليمن.. نزلوا بادية الشام، وصاروا ملوكاً» وجاء أيضاً 6/243: «أول من حكم العراق آل تنوخ، ومنهم جذيمة الأبرش.. وكانت عاصمتهم مدينة الحرة، وهي على نحو ثلاثة أميال من الكوفة. وكانت آهلة بالقصور والمغاني العظيمة، والحدائق الغناء، وبقيت عامرة في الإسلام بضعة قرون.
وجاء في الكتاب نفسه 6/246: «سليم: بطن من قضاعة، ملكوا مشارف الشام بعد تنوخ، مقرهم في مؤاب من أرض البلقاء، وفي سليمة وحوارين.. وتغلب عليهم الغساسنة»، ومعنى ذلك أن بلاد الشام كانت عربية حتى قبل الغساسنة.
وقال لويس معلوف في المنجد، وهو يؤرخ قبيلة تغلب: «من أعظم قبائل العرب، يمنية الأصل، انتقلت إلى بلاد الشام، فإلى ما بين النهرين، ونبغ منها في الإسلام بنو حمدان». وأدل ما يدلك على عروبة الشام والعراق في ذلك الوقت، أن عمرو بن كلثوم قتل ملك الحيرة عمرو بن هند قبل الإسلام، وافتخر بقتله في معلقته التي أصبحت مضرب المثل في الفخر، حتى ضاق بها بعض الشعراء فقال:
الهي بني تغلب عن كلِّ مكرمة
قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم
ولو لم تكن الشام والعراق عربية اللغة لما شاعت القصيدة وتناقلها أهل القطرين.
بقلم: محمد خليفة بن حاضر

